Saturday, March 18, 2006

Waddah Chrara fait le bilan du 14 mars, un an après.

١٤ آذار جمهوراً وساحةً ومصادِر وآداباً
وضاح شرارة

جاء جمعنا هذه المرة على غير عهدنا بجموعنا من قبل. فبعضنا جاء حين بعض آخر كان يروح. ولم يستقر معظمنا بموضع واحد. ولم ينضوِ تحت جناح جماعة أو فرقة. ولم ينشد دفء أهل. ولم يقصد موضعاً بعينه. ولم يهتف هتافاً أو شعاراً يجمع في جملة موقعة "سمات المرحلة الراهنة" و "مهمتها".

دخلتُ ساحة الحرية، وهي كانت ساحة الشهداء يومها، صباح 14 آذار (2005)، من بوابتها الغربية، بين مباني اللعازارية القديمة والمتجددة الى يميني والمسجد الأعظم والشاهق، المسجد الكاتدرائية بإزاء كاتدرائية مار جاورجيوس المتواضعة والمتضائلة، الى يساري. وفي زحمة الأعلام والرؤوس والوجوه والعيون التي دهمتني، عينين ورأساً وصدراً، وحاطتني من الجهات كلها، سماءً فوق الرأس وسماء داخل الوجه والرئتين والجسد، اقتصرت الساحة على نفسها وأهلها. وقامت بنفسها، دون الجبل أو الهضاب التي تحل بآخر سفوحها، وأقرب هذه السفوح الى ملتقى شرفات بيروت المفضي الى البحر. ولم يبق من إطار الساحة إلا زاوية قرية الصيفي المثقلة بالناس وألوانهم وهاماتهم، وإلا صفحة البحر التي ابتعدت فجأة واقترنت، منظراً، بالسماء. وفاضت الساحة وطافت طوفاناً رفيقاً بلوني العلم اللبناني البارزين، الأحمر، الأحمر خصوصاً، والأبيض الناصع. وسبحت الجموع، ومعها فضاء الساحة ومن بعده الفضاء الأوسع فالأوسع، في همهمة طافت بدورها الطوفان الملون والرفيق إياه. فخرجَت من بين الناس خروجَ عيون الماء، وانسابت جداول، واجتمعت بحراً دافئاً تتدافع أمواجه في بعض المواضع، وتزبد زبداً على حدة قبل أن تهدأ وتتبدد، ثم تنعقد في مواضع أخرى.

نداء الساحة الجامعة واستجابتان

ودخولي الساحة على هذا النحو بدا لي، من غير تأمل أو فحص، شبيهاً بدخول غيري. فما خرجت به الساحة، وجموعها وأعلامها وهمهمتها، عن مثال التظاهر الذي الفته وخبرته منذ عشرات السنين، هو إقبال المشاركين، وأتردد في تسميتهم المتظاهرين، على الجموع، ودخولهم الجمعَ وفيه، آحاداً وافراداً. وليس (معنى) ذلك أنني دخلت الجمع العريض، واشتركت فيه حاضراً وماشياً ومستمعاً ومتصفحاً ومراجعاً (مشتركين آخرين)، وحدي ومن تلقائي، وحسب. فأنا دخلته فعلاً على هذه الحال، ولم أوسِّط بين المجتمعين وبيني جماعةً وسيطة، أهلاً أو زملاء أو صحباً أو رفاقاً. وحسبت يومها، ولا أزال على حسباني، أن شأني هذا هو شأن غيري، معظمهم إن لم يكن كلهم. والغير اللجب هؤلاء أجمعوا، أو كادوا، على هذا من غير تواضع عليه أو تعاهد وتشاور. ولا ريب في أن شطراً كبيراً، وربما راجحاً، من الجمع العريض جاء من بعض الأحياء القريبة، ومن مدن وبلدات وقرى أبعد، جاء جماعات: أهلاً وجيراناً وأحلافاً وأحزاباً وغرضيات وعصبيات. ولكنني أزعم أن نداء الجمع، أو الداعي الى دخوله والإقبال عليه بهذا الموضع وفي هذا الوقت، توجه علينا أفراداً وآحاداً. فالمنادي، إذا جازت العبارة، أي مصدر النداء، وهو رفيق الحريري أو المعنى الذي انقلب اليه الرجل وحلّه غداة اغتياله، هذا المنادي كان عاماً. فلم يكن الزعيمَ السنّي، ولا السياسيَّ الذي تولى رئاسة الحكومة أعواماً مكفهرة، ولا الحليف والسند المتنازع، ولا كان رجل الأعمال البارز، إلخ. فنداء المنادي صدر عن معنى جامع وكثير الأوجه، هو الباب الذي دخله الواحد منا الى نسْج نتف حياته واختباراته وأوقاته المشتركة في سياقة متصلة ومجزية. ودخل واحدنا الباب "الحريري" هذا قادماً من اختباراته الشخصية والمشتركة، من غير وصلة بينه وبين غيره. والأدق القول من غير وصلة سياسية، صاغها أصحابها على الوجه والمثال المعروف هذا. وعليه، دخل معظمنا الباب "الحريري"، إذاً، منقطعاً من الجمع الذي يشارك فيه، وييمم صوبه، ولن يلبث أن ينضوي تحت اجتماعه ووحدته. لكن التقطع لا يبدد النتفَ والشذرات هذه ولا يذروها التكرارُ الرتيب رتابة السلطان وجلموده، هباءً وعبثاً. ولا تحول "السياسة" الصماء، المنقطعة من الجماعات، ومنازعاتها واحتياجاتها وأفرادها، بين الأوقات الكثيرة (وأهلها) وبين انعقادها على آفاق واحتمالات غير مسدودة. فكان النداء هذا إيذاناً بالخروج من الحجرة المقفلة، ودعوة الى الخروج من الأسر والقعود الى فضاء طليق.

وقد يكون عسيراً تفحص كيمياء المنادي (وندائه) السياسية والاجتماعية والمعنوية، وتعقب السياقات الكثيرة التي أدى انعقادها، غداة الاغتيال في 14 شباط، الى تلبية النداء، والاجتماع في الساحة الجامعة (على مثال "الصلاة جامعة"). (وبعضنا ابتدأ التفحص والتعقب هذين، وليس هنا موضعهما). فما يريده الإلماح المتقدم الى نداء الرجل الذي انقلب، غداة مصرعه، الى عَلَم على سياقة متصلة وإهابة، هو تعليل الإقبال العريض على الساحة الجامعة على شاكلة تلبية دعوى الى عيد واحتفال فرِح. فالرائحون الى الساحة، المتقاطرون عليها وإليها تقاطر حبات المطر، جمعوا في تلبيتهم استجابتين: الأولى استجابت داعياً عاماً ومشتركا، أو جمعياً وطنياً، والأخرى داعياً خاصاً أو فردياً. وهذا الداعي نشأ في ثنايا خفية وعميقة من النفس، واتصل برغبات في الحرية والكرامة والعدالة والأمن والصدق لم تكبتها أعوام الترويض على الامتثال والسكوت والمبايعة والتوكيل والكذب، ووجدت في مصرع الرجل الذي قتل قبل شهر التمثيل عليها.

احتفاء وأنس وهشاشة

فجاءت التلبية العريضة على غير موعد صارم ودقيق، أشبه بالانتباه من نوم ثقيل، وبنفض النائم ثقل الخدر عن رأسه وجوارحه، وتحرره من قيوده ووثاقه وكمامته. فقصدنا الساحة على نحو قصد الناس أعراسهم وأعيادهم ومشيهم اليها، خفافاً (متخففين من القعود والخوف، لا شك، ومتخففين كذلك من أثقال روابطنا الجمعية وقيودنا العصبية وانضباطنا القسري بها وعليه)، ومستقبلين الآتي من أيامنا وزمننا، ومقبلين بعضنا على وجوه بعض من غير مشية إلا تلك التي تلامس انتظار المنتظر ولا تنفك منه. فالاحتفاء غلب عليه الأنس الى التحلق حول المعنى الذي حرره افتضاح التعسف وغاشيته، واستئنافنا واحداً واحداً رغباتنا في الحرية والكرامة والعدالة والأمن والصدق، من حيث تركناها وخلفناها وراء أظهرنا، وكدنا ننساها أو نسيناها فعلاً. ولا أنكر أن كثرتنا، وامتلاء العينين من هذه الكثرة ومن أعلامها (أي علمها الواحد والمشترك)، أثلجت صدري، وبددت معظم الخشية من الشيل في الميزان السياسي. ولكن الكثرة هذه كانت خسرت "روحها" ومعناها لو لم تقترن بدواعيها وبصور تلبيتها. ومثَّل على هذه الخسارة، على زعمنا، مواطنونا الكثر الذين اجتمعوا قبلنا عشرات الآلاف ومئاتها على مقربة من "ساحتنا" قبل نحو أسبوع من اجتماعنا. فكانوا كثرة من غير "روح"، آلية أو ميكانيكية معتادة، أو كثرة من غير هذه الروح التي استفقنا، من غير تمهيد ظاهر، على ولادتها فينا، أو على "انبجاسها" (على قول أرسوزي متأله ووثني، مقلق الفظاظة والمزاعم "الانبعاثية").

ففرحنا باستعادتنا رغباتنا الهامدة، وبفك أسرها الجمعي والعصبي والفردي. ولم يفارق فرحنا، الى اليوم، توجُسنا من ضعفنا ورقتنا (على الضد من الشدة والصلابة) وهشاشتنا. فاجتماعنا وكثرتنا لم يصدرا عن موجب ولا عن فرض. ولم ننفك، في مسيرنا الى الساحة الجامعة وفي أثناء اجتماعنا، من الترجح والتردد وتقديم رِجْل وتأخير أخرى. فجاء جمعنا هذه المرة على غير عهدنا بجموعنا من قبل. فبعضنا جاء حين بعض آخر كان يروح. ولم يستقر معظمنا بموضع واحد. ولم ينضوِ تحت جناح جماعة أو فرقة. ولم ينشد دفء أهل. ولم يقصد موضعاً بعينه. ولم يهتف هتافاً أو شعاراً يجمع في جملة موقعة "سمات المرحلة الراهنة" و "مهمتها".

فهذه كلها هي جزية مجيئنا آحاداً وأفراداً، من وجه، وفريضة قصدنا عامّاً وطنياً جامعاً ومرسلاً، من وجه آخر. ومن جاء على هذه الشاكلة يسعه، أن يُبطل مجيئه (على مثال أبطال وضوء أو صلاة)، ويرجع فيه، وينفضّ عن الجمع، ولا تمتنع عليه هذه (الأبطال والرجوع والانفضاض) كلها. ومن جاء على هذه الشاكلة لم يلزم نفسه مترتبات نظن ترتبها على مجيئه. فلم يلزم نفسه العودة الى التظاهر وتلبية الدعوة اليه، ولا ألزمها التعلق بأحد "أعلام" الجمع، ولا الإقامة على تعلقه إذا ارتضى علاقة وآصرة، ولا الاقتراع لمن مال إليهم من الجماعات المجتمعة. فبين الجمع المؤتلف من الآحاد والأفراد، والميمم شطر العام الوطني والجامع، وبين الأجسام أو الكيانات السياسية والاجتماعية المستقرة على هذا القدر أو ذاك، فجوة أو هوة واسعة أو ضيقة. وسد الهوة هذه منوط بنظام اجتماع سياسي متماسك وقوي المباني. وهو ثمرة تاريخ طويل، إذا قيض تاريخ كهذا لأهل الاجتماع وأرادوه ورغبوا فيه، وحصلوا عدته.

وجراء هذه الحال، أقام الجمع العريض واللجب على سكينة وإمساك ليست علتهما في مرجع مركزي تولى التنظيم، وكان القوّام عليه. فهذه كلها، المرجع والمركز والتنظيم والقوامية، لم تكن. وما كان منها اقتصر على نواحٍ قليلة، وأوقات متقطعة. فلم تعصف في جمع الساحة الجامعة حمى الكثرة العصبية، ولا استخفته نشوتها أو "غنائيتها". وبعض الجماعات أو الفِرق التي ظهرت عليها أعراض الحمى متأخرة، أو على وجه الاسترجاع، فنسبت الى نفسها "أصل" الجمع ووقفت "الأصل" المزعوم عليها، وعظمت "حصتها" من الجمع، لم يكن في وسعها إعلان دعاويها في أثناء الاجتماع. فهي فاجأها الأمر شأنها شأن غيرها. ودخلت، فِرقاً وأفراداً، تحت "القانون" الذي سرى على المشتركين، وبعثهم على الاشتراك أفراداً وجسماً وطنياً معاً، من غير توسط (عصبي) بين الاثنين.

مصادر أهلية وأخرى فردية ووطنية

ولست أشك في أن ما تقدم قوله لا يخلو من المبالغة والغلو في التصوير، وفي استيلاد المعاني والدلالات وحملها على الصور حملاً متفقاً ومطابقاً. ولعل هذا من بنات الحماسة والرغبة في سند قوي يسند مزاعم مستقبلية (لا علاقة لها بـ"التيار") وسياسية، وتحتاج تالياً الى بعض المُسكة والقوة والدوام، وإن اقتصرت على استعمال أو تدبير فردي. ولكنها مبالغة لا تعدو، من وجه آخر، توسيع أو تعظيم وقائع حقيقية. وهذه الوقائع مشهودة ومعروفة. ومجرد رصفها من غير نظام ولا ترتيب، على قدر المستطاع، يسوق الى المعاني التي سبق تعرفها.

فمعظم الجمهور كان فتياً وشاباً. وكانت حصة الفتيات والنساء فيه كبيرة. وقدم معظم الناس إما أفراداً وآحاداً، وإما أسراً قليلة، وإما أصحاباً وشللاً. والكتل الحزبية نفسها، ما عدا ربما بعض القواتيين الشماليين وبعض أنصار الحريري من الشمال والجنوب، الكتل هذه لم تكن مرصوصة. وتفرقت جماعات (زرافات، على قول مدرسي) قليلة طواها الجمهور العريض في ثناياه وبددها، فلم تفلح في صبغ ولو ركن أو زاوية من أركان الساحة الجامعة وزواياها بصبغتها. وقلما قوي هتاف، أو شعار، أو ردة، على التمكن في موضع. فكان على القواتيين الشماليين أن ينتحوا ناحية من الساحة، طرفية، ليبسطوا عليها نفوذهم، ويرفعوا أعلامهم، ويرددوا رداتهم وأهازيجهم. وصنيعهم هذا كان بمنزلة الاعتزال والانتحاء، والخروج من الساحة وجمعها، وعليهما بعض الشيء. وهذا، وغيره مثله، قرينة على ان الجمهور صدر، على هذا القدر أو ذاك، عن مصادر أهلية وعصبية كثيرة. ففي الأسبوع الذي سبق 14 آذار انصرف الأعيان والقادة، و "أجهزتهم"، الى تعبئة الأنصار، وحشدوا أساطيل الحافلات والباصات والسيارات. وعينوا مواضع اللقاء والانطلاق. ولكن هذا لم يحل بين الجمهور وبين التفرق والتنقل.

ولعل السبب في استحالة ثبات كتلة من الكتل على تكتلها هو "سيولة" الجمع الداخلية، أو ظعن أفراده وزرافاته ورهوطه داخل الساحة والجمع. فهم قدموا على هذه الشاكلة (أفراداً وزرافات...)، ودخلوا الجمع عليها. فلم يشدهم موضع بعينه. ولم يضوهم علم. ولم يجمعهم شعار (وهو ثوب أو لباس، وصرخة حرب). فتفرقوا في جمع غير حربي، وفي ساحة ليست حمى "قوم"، ولا مضرباً، ولا ربعاً، ولا أهلاً. فوسع من شاء الرد على قول يسري في حلقة من الحلقات، والتمني على القائلين ترك قولتهم. ومن ثبت على محل وموضع، و"أقام" فيه بين صحب ورفاق وشلة وجيران، لم يرفع علمه، ولا بسط لافتته، ولا حمل على الأكتاف والرقاب صاحب هتافه وأرجوزته، ولا سار في صف، ولا وقف في مربع وإطار. وجاز لمن شاء أن يجلس ويقتعد الأرض، وأن يقرفص، ويروح ويجيء. ولم يمتنع الجمهور من المحادثة أو بين الثلاثة والأربعة والعشرة. وقلما تركت حلقات الجمهور الضيقة أو الواسعة دائرتها الى دائرة أعرض. فالدوائر كلها أو معظمها محلية وجزئية.

شعب لبناني متدافع وملتبس

ولم تقو الخطب "المركزية" على تحليق الجمهور حلقة واحدة حولها، أو حول خطبائها. ومن أصاخ بأذن الى خطيب، أدار الأخرى الى مصادر قول قريبة، وبادل القائل أو القائلين الكلام والرأي. فلم ينقطع الكلام في أي وقت من الأوقات. ولم يأخذ خطيب على المشاركين "مجامع قلوبهم". فالجامع المشترك، بهذه الحال، على خلاف جامع الجماعات العصبية أو الحزبية و"التيارية" (على اختلافها)، لا يتمثل عيناً ولا شخصاً ولا كلاماً، قدسياً أو مقدساً، على زعم ثابت، أُعلن أم أضمر. فهو لحمة الجمهور العصية على التمثيل والتجسيد. والجمهور العريض نفسه لا يستوفي التمثيل على اللحمة، شأن "فكرة" الشعب في الديموقراطية (وربما على خلاف فكرة الأمة، على معناها الزمني والعلماني). وعلى هذا، ضمت الساحة الجامعة الشعب اللبناني على نحون متدافع أو ملتبس: فالشعب لا يضم، ولا يجتمع، ولا يحضر كاملاً. وهذا هو السبب في استحالة "حلوله" في حزب أو قائد أو جهاز، وفي بطلان دعوى الحلول وزعم التمثيل "الى الأبد" (ولو اقتصر الأبد هذا على أيام معدودة). وإذا جاز ضمه وجمعه وحضوره الكامل انقلب عصباً وجمهرة، أو قبيلاً "عظيماً"، أو "رهطاً ذهبياً" (تتاراً أو مغولاً) وغابة كثيفة (جرمانية أو "توتونية" ألمانية) وجحافل...

وهذا (الانقلاب) يتربص بالشعب، ويراوده عن نفسه، ويسعى في فتنته وحرفه عن رشده. ورشده هو قبوله اضطراب صورته، ورضاه، على مضض، انقساماته ومنازعات أقسامه وأجزائه وجماعاته وطبقاته. ورشده هو كذلك امتناعه عن الافتتان بصورته المجتمعة والواحدة، ومن الاستغراق في "عظمته" المتوهمة. فالرشد، على هذا، هو خلاف الشعبوية، ونقيض النازع الى إيجاب "الشعب العظيم" وإثباته واحداً ومجتمِعاً ومقاوماً ومؤمناً بوجه الأعداء الشياطين والأبالسة (و "الإمبريالية" و"القردة" أو أبنائها)، واطراح المدخولين والعملاء واليهود والمستكبرين وحيتان المال منه، ونفيهم أو سحقهم ورذلهم.

تنازع الإرث

ولعل بعض هذا راود "أهل" 14 آذار (2005)، ولا ينفك يراودهم ويغريهم، ويزين لهم الاستغراق في صورة الكثرة العظيمة والمرصوصة، وفي الشعب الماثل والمجتمع والناجز. والطعن في الانقياد الى الصورة هذه لا يخلص (أخلص) منه الى زعم تمثيل على الشعب اللبناني أصدق من تمثيل من يزعمون وراثة هذا اليوم، والولاية على إرثه وتركته (وكأنهما ثابتان ومعروفان). وهو راود، ويراود من يحسبون أن "14 آذار"، اليوم المشهود ومعناه، "سرق" منهم خلسة، وعلى غفلة من أهله وشعبه. فيستولدون اليومَ هذا (أي منه) جماعة لبنانية صرفة، لا انقسام فيها، ولدها "رفيق الحريري" (المعنى) وحلفاؤه، وولدتها سياسات متماسكة لم يتطرق إليها تردد ولا التواء، وخرجت تامة الخلقة وعلى رأسها خوذة، من فخذ جوبيتر (أو من ضلع آدم). ويترتب على هذا الزعم إغفال حوادث لا تحصى، ليس أقلها إرساء السلاطة (على مثال سلاطة اللسان، من التسلط والوقاحة) السورية على طاقم سياسي وقاعدة اجتماعية قويين ومتينين، وتمويلهما وتسويغهما.

ويستولد من يقولون بالسرقة والاختلاس،ويجعلون أنفسهم "الأصل" الذي تحدر منه فيض الجمهور المجتمع في الساحة الجامعة، يستولدون اليومَ نفسه "الشعبَ العظيم: الذي سواه بطلهم قبل خمسة عشرة عاماً، وبدده موقتاً القصف السوري في 13 تشرين الأول (اكتوبر) 1990. فحفظه من غير انقطاع، على الخلقة نفسها، تظاهُر المتظاهرين، واعتقال المعتقلين، واستجواب المستجوبين، وعذاب المعذبين، واعتصام المعتصمين، وخطب الخطباء، من الأنصار والمريدين والأصدقاء. فلما حان اليوم أو الحين (على قول القصص الشعبي) بُعث "الشعب" نفسه، واجتمع.وتغفل الرواية هذه وقائع لا تحصى. وليس أقلها أن معظم جمهور الساحة واليوم لم يشترك في "الملحمة" السابقة، العونية، إذا جاز حملها على هذه النسبة. وليس اضعف الوقائع المغفلة معنى وثقلاً صدور الشطر المسلم، السنّي خصوصاً، من الجمهور (وهو الجمهور الذي أطرح منه ميشال عون "مليون مسيحي" عشية 14 شباط/ فبراير 2006)، عن تاريخ (لبناني) خاص، أو عن وجه خاص من التاريخ المشترك هذا. فالتعسف والاعتباط والمصادرة والإكراه والتزوير والفساد والمراوغة والكذب والإذلال اجتمعت كلها، على ما رأى الشطر المسلم السنّي (ومعظم اللبنانيين)، في اغتيال رفيق الحريري. ومهد لها تمهيداً طويلاً وثقيلاً سوس اللبنانيين على النحو الذي ساسهم عليه حكام سورية طوال ثلاثة عقود.

فما اختبره بعض اللبنانيين، من أنصار ميشال عون ومريديه ومن غيرهم، "قواتيين" واستقلاليين معتدلين، في أنفسهم وأجسادهم، طوال عقد ونصف عقد من السنين، لم يشاطرهم إياه (لتعسنا كلنا) الشطر الأعظم من اللبنانيين، ولم يحملوه على المعنى الذي أراده الجهاز السوري "العامل" في لبنان واللبنانيين، وهو (أي المعنى المراد) تقويض وطنية لبنانية جامعة وقائمة برأسها. ولولا ابتعاد رفيق الحريري من الجهاز هذا وسياسته، وجهره ابتعاده، وإعداده العدة لانعطاف آتٍ يطوي الجهاز وسياسته، فكان الاغتيال جزاءه على اقتعاده وإعداده، لولا هذا لما خلص شطر من اللبنانيين عموماً والمسلمين السنّة خصوصاً، الى ما خلصوا اليه منذ 14 شباط 2005 وغداته. والحق ان تعويل أصحاب "المقاومة اللبنانية" وهم جلهم من المسيحيين على اختلاف وتفرق وتنازع على توحيد اللبنانيين على وطنية جامعة، وذلك في سياقة مقاومة التسلط السوري وسعيه في اجتثاث موارد هوية شعبية ودستورية (غير عصبية ولا جوهرية تجسيدية)، هذا التعويل مفرط في التفاؤل والجهل، من وجه أول، ومفرط في الاعتداد بالنفس والإرادوية، من وجه آخر.

الانتقال ربما

فالطريق التي أفضت الى 28 29 نيسان (ابريل) 2005، وأجلت القوات السورية عن الأراضي اللبنانية، طريق متعرجة، وكثيرة المحطات، ومتشابكة المراحل. ونسبة هذه الطريق الى "قانون محاسبة سورية"، ثم الى قرار مجلس الأمن 1559، وتوليد القانون والقرار من التظاهرات والاعتصامات والاعتقالات والاتصالات في المهاجر والوطن، مبالغة في التقدير والاحتساب والاعتداد. والمبالغة لا تبطل ثقل القانون والقرار ولا دورهما. وهي لا تؤدي الى القول بضآلة أثر التظاهر والاعتصام وديبلوماسية التأليب ("اللوبي"). ولكن ما كان ينقص الحركة الاستقلالية والسيادية اللبنانية على الدوام، ويطعن، فعلاً وحقيقة، في وطنية جسمِها الاجتماعي والأهلي (وليس في وطنية قصدها ودعواها)، هو إحجام "المسلمين" (سياسياً، أي الإسلام السياسي) عن تزكيتها، وانخراطهم، على هذه الصفة، في هوية وطنية مشتركة وغير مشروطة.

فالإسلام الأهلي والسياسي اللبناني نزع على الدوام الى توحيد السياسي بالأهلي (القرابي العائلي، وذاكرة الحوادث والحروب والهزائم والجروح القومية، والجوار). فأخَّر الهيئات والمؤسسات والمباني السياسية الدستورية، والادارية، والقانونية، والاجرائية، عن اللحمة الأهلية القومية. وارتضى إبطال هذه (اللحمة) المؤسسات والمباني، وتعطيلها إياها. فكانت الحروب الملبننة، وقبلها بقاء السلم الوطني في دائرة سلم أهلي بارد، وبعدها بناء "الدولة" على رمال "مسرح احتياطي" وعروبة سياسية متقلبة ورجراجة (تصرف الحرب السورية الاسرائيلية عن المسرح السوري المتداعي الى مسرح "مقاومة" بالوكالة غير مقيدة بوقت ولا إقليم ولا مصالح) كانت هذه الحلقات آيات الإبطال والتعطيل هذين. وأخرج مسار رفيق الحريري، وروافده التي لا تحصى، وتتويجه غير الإرادي (طبعاً) بالاغتيال، شطراً راجحاً من الإسلام السياسي هذا، ومن عروبته السياسية ولحمته الأهلية. وكان الخروج من باب لبناني، هو باب المصالح الاجتماعية و"الثقافية" الراهنة، ومن باب إرساء بعض التمثيل السياسي على اعتبار هذه المصالح واحتسابها، والتوسل بأواليات سياسية ودستورية الى الاعتبار والاحتساب هذين. وهذا شأن "الطبقات الوسطى".

فدخل الشطر الراجح من الإسلام السياسي اللبناني بنية سياسية وطنية (كانت في طور الانتقال، ولا تزال)، لم يسبق له عهد بدخولها العريض والشعبي على هذا النحو. وكان 2004 2005 (وحادثتاه البارزتان، الاغتيال و"التشييع" في 14 آذار)، المرحلة الواسعة والظاهرة من التحول الكبير، قياساً علينا. و"عيد" 14 آذار 2005، وجمعه التشييع الى عمادة المولود الجديد أو غمسه بالماء (على قول بني تغلب الى عمر بن الخطاب)، قرينة على التحول من حال الى حال. ولكن المولود لا يولد ساعة ولادته ولا يومها، بديهة. وهو يستقبل، حين الولادة، عالماً سابقاً، عليه أن يتألف مسالكه وممالكه. وهذه بديهة أخرى. و"ثقافة" التألف مثاقفة، لعل جمهور اليوم المشهود قرينة عليها، وعلى مدنيتها (على معاني الكلمة الكثيرة). ونقيض المثاقفة المدنية هذه بداوة عصبية وسياسية ديدنها الاستيلاء الفظ، والحشد المرصوص، والهوية الجمعية، وفك السياسة من الاجتماع، وإزمان الذاكرة المرضي.

النهار 18-03-2006

Friday, March 17, 2006

La “Formule”, le Pacte et la Constitution
Le Liban confessionnaliste entre démocratie et paix∗

Par Ahmad Beydoun

D’emblée, j’exclue l’éventualité de m’engager dans un débat purement théorique avec l’analyse si conséquente que met sous nos yeux Alain Caillé. La cohérence même de cette analyse me porte déjà à éviter la confrontation; peut-être, d’ailleurs, ne suis-je pas qualifié pour m’engager dans pareille voie.

Aussi ai-je préféré examiner la possibilité pour l’expérience libanaise de contribuer à l’élaboration d’une réponse à l’interrogation formulée par Caillé: la démocratie fait-elle preuve d’une aptitude particulière à prévenir les conflits?

Dans le cas d’espèce, les conflits visés sont, bien évidemment, des conflits à dominante interne. À travers le cas libanais, nous examinons donc la contribution que l’alternative démocratique peut (ou ne peut pas) apporter à la sauvegarde de la paix civile. Les lecons du cas libanais débordent largement, en fait, les limites de ce pays. Le Liban a connu des conflits pluridimensionnels dont le dernier a été le plus durable et le plus destructeur. Ce conflit s’est inséré dans une confrontation régionale dont certaines parties étaient déjà actives sur le sol même du Liban, alors que d’autres sont intervenues de l’extérieur. La confrontation régionale s’est également dotée, dans son expression libanaise, d’une dimension internationale certaine; à tel point que des forces internationales se sont directement engagées dans le pays, sous prétexte de mettre fin aux affrontements, et qu’elles y ont été prises pour cible par des forces adverses présentes sur le terrain. Une guerre de résistance à l’occupation se poursuivait encore, longtemps après le reflux des affrontements civils. De cette dernière guerre, certains effets à caractère régional ou international, continuent, avec leur train de potentialités néfastes, à peser lourdement sur le pays. Plus généralement, le conflit libanais, tant qu’il durait, comptait parmi les arènes de la lutte entre les Grandes Puissances de l’époque.

Dans le cas qui nous occupe, la question des rapports entre paix civile et démocratie recèle, en principe, une autre question: celle relative aux effets qu’exerce un type particulier de “démocratie” (celui que ce pays a fait sien) sur les chances dont la réalisation d’une paix régionale (affublée, bien entendu, de prolongements internationaux) peut être créditées.

Le choix de dérouler notre analyse dans l’espace libanais répond également à un autre besoin: celui de mettre en évidence la base sociale que présuppose l’édification d’une démocratie. C’est là une question qui – nonobstant la possibilité de vérifier la thèse du conditionnement de la démocratisation par le développement économique – déborde largement celle de la détermination du degré de développement économique que la mise en place d’une démocratie requerrait. Notre problématique a plutôt trait à la nature des formations sociales prépondérantes dans l’espace public. Or des facteurs analogues favorisant cette prépondérance peuvent se retrouver dans des sociétés riches et dans d’autres bien démunis. Nous mettons donc en question la possibilité d’imposer la démocratie par la seule force des lois adéquates. Et déjà la possibilité d’importer d’outre mer la démocratie – en vue, par exemple, d’obéir, sur le champ, à un diktat étranger – nous semble bien douteuse.

Trois piliers

Au Liban, les évaluations, positives ou négatives, des comportements politiques s’énoncent, en général, à partir de trois corpus normatifs: la Constitution, le Pacte National et ce qu’on appelle la “Formule” libanaise. Notre traitement de la question que nous venons de poser visera à cerner le réseau de relations que l’histoire contemporaine du Liban a tissé entre ces trois hypostases. Et si nous ne retenons pas l’Accord de Taef comme quatrième pilier de cet édifice, ce n’est guère méconnaissance de la valeur d’un texte qui a ménagé aux Libanais une sortie de la guerre; notre attitude se prévaut, bien plutôt, d’un diagnostic précis des rapports que cet Accord a pu entretenir, dans son élaboration et, plus tard, dans son application, avec les éléments de la susdite triade. En effet, nous pensons que, de par sa prévision d’une phase transitoire dont il a esquissé les traits, cet Accord a représenté un amendement, d’ailleurs rendu inévitable par les changements objectifs qu’a enregistrés l’histoire du Liban indépendant, de la formule libanaise. Il a représenté également un rééquilibrage de deux déclarations de principe que le Pacte avait mises l’une en regard de l’autre et que nous aborderons sous peu. Enfin, l’Accord de Taef a prévu, pour le système libanais, un nouvel état de fait que ce dernier devait atteindre à travers la phase transitoire: état de fait qui devait culminer, du côté de la “Formule”, en la déconfessionnalisation du régime politique et, du côté du Pacte, en l’évacuation du territoire libanais par les Forces armées syriennes. Ces deux conditions n’ayant pas été remplies, l’amendement de la “Formule” tend à se muer en scandale, et celui du Pacte, en assimilation de ce dernier à une simple imposture. Par ailleurs, le procès de réforme constitutionnelle consigné dans l’Accord n’a pu se traduire par l’amélioration de la Constitution qu’il laissait espérer. Ayant fait un premier pas avant de se figer, cette réforme s’est vite vouée à la corruption. L’interprétation unilatérale des clauses de la réforme, son isolement de l’ambiance consensuelle où l’Accord la voulait incluse, ne pouvaient qu’ en accélérer la dégénérescence. Ce qui devait initier une marche en avant, s’est trouvé réduit, en définitive, à un faux pas. Nous en sommes toujours là.

Si donc nous faisions du Pacte national le point de départ de notre analyse, force nous serait de reconnaître que le contenu explicite de ce Pacte reste muet sur la forme – démocratique ou autre – du régime politique. Le Pacte national – rappelons-le – est la dénomination courante de l’entente scellée, à la veille de l’Indépendance du Liban, entre le premier Président de la République émancipée et son premier Président du Conseil. Explicitement, il stipule l’engagement d’une partie des Libanais à abandonner la revendication de l’Unité arabe (ou syrienne) en échange de l’engagement de l’autre partie à s’abstenir de solliciter une protection étrangère. Cependant, le Pacte, en tant que contrat, sous-entend l’érection des parties contractantes en membres fondateurs de l’État indépendant. D’entrée de jeu, il est entendu que ces parties ne sont autres que les communautés confessionnelles du pays. Cette institution des communautés en parties exclusives de la fondation de l’État indépendant se fait sous la couverture d’une autorité autre que que celle du pacte (et que celle de la Constitution que nous aborderons incessamment); cette autorité est celle de la fameuse “Formule” libanaise qui, considérée dans la dimension temporelle, est antérieure à la Constitution et au Pacte.

La Constitution, elle, se situe, quant à ses prémisses, bien à l’écart du modèle confessionnaliste. Elle instaure une République parlementaire “normale” dotée d’une Chambre élue pour une durée déterminée, d’un Gouvernement se prévalant, dans l’exercice de son pouvoir, de la confiance de la Chambre, d’un Président de la République élu par la Chambre et dont le mandat ne peut être reconduit. À la suite, surtout, des amendements de 1990, les prérogatives de ce Président se trouvent être strictement délimitées autant par les dispositions précises qui les définissent que par l’autorité d’institutions dont la principale est le Conseil des Ministres; le Président de ce Conseil est désigné en conformité aux résultats de consultations parlementaires impératives auxquelles procède le Président de la République. Ce dernier n’a pas de pouvoir direct sur l’Administration publique ni sur les Forces armées, ni, bien entendu, sur le corps judiciaire. Sur un autre plan, la Constitution garantit l’égalité de tous devant la Loi, les libertés publiques fondamentales, les droits des personnes et les libertés individuelles. Le système – tout cela porte à l’admettre – remplit les conditions principales de la démocratie: les libertés publiques et privées garanties, l’alternance au pouvoir, la fonction législative assurée par l’Assemblée élue et la nécessité pour l’Exécutif de rendre compte à celle-ci, le contrôle gouvernemental sur l’Administration par l’entremise de corps spécialisés et dans les limites de la Loi, la soumission des corps militaires et de sécurité à l’Autorité politique… sans oublier l’encouragement donné à l’initiative individuelle et à l’entreprise privée, dans la sphère économique, etc. Des carences des garanties juridiques de l’indépendance de la justice, de même que de la transparence du fonctionnement de l’État et de ses appareils, sont souvent soulignées; elles ne remettent pas en question la dominance certaine de l’orientation démocratique dans la Constitution libanaise.

Il en va de même de l’existence, dans le texte de la Constitution, d’accès limitées concédées à l’esprit confessionnaliste. L’énoncé originel de l’article 95 stipulait le partage entre les communautés, “provisoirement et dans un esprit d’équité et de justice”, des portefeuilles ministériels et des postes de l’Administration. Modifié en 1990, cet article limite désormais le partage intercommunautaire du domaine administratif aux postes de première catégorie et assimilés. S’inscrivant dans une logique de dépassement du confessionnalisme aussi bien politique qu’administratif, ce partage, à son tour, est limité à une “période de transition”.

Sur le partage intercommunautaire des sièges parlementaires, la Constitution, avant la réforme de 1990, restait muette. Ce partage était affaire de loi électorale. En principe, cette loi ne jouit pas de l’intangibilité de la Constitution; elle a subi de nombreuses modifications, grandes et petites; jamais, toutefois, la règle confessionnelle appliquée dans la distribution des sièges n’avait été remise en cause. La réforme constitutionnelle de 1990, elle, ayant instauré la parité, dans la Chambre, des deux communautés religieuses du pays, a, en même temps, réduit cette règle confessionnelle au statut de disposition transitoire. Aussi, a-t-elle confié à la nouvelle Chambre la mission de promulguer une loi électorale libérée de la contrainte confessionnelle.

La “Formule” dispose de deux autres accès à la Constitution. Les articles 9 et 10 garantissent aux communautés le respect de leurs statuts personnels respectifs et de leurs intérêts religieux, aussi bien que le droit de fonder des écoles: garanties qu’on ne peut qualifier d’antidémocratiques. Elles ne signifient nullement, en effet, que les lois sur le statut personnel doivent être exclusivement confessionnelles ni, bien entendu, que la fondation d’écoles est un droit exclusif des communautés confessionnelles.

Cette série de dispositions – explicitement “provisoires” ou “transitoires” ou implicitement non exclusives – reste loin d’altérer fondamentalement l’esprit démocratique de la Constitution. La question étant, cependant, d’évaluer les chances de maintenir la paix civile au sein de l’État dont cette Constitution est supposée informer le gouvernement, l’affirmation du caractère démocratique de ladite Constitution reste loin d’épuiser les éléments de réponse.

Notre État est-il réellement gouverné selon sa Constitution?

La “Formule” consacrée par l’érection des communautés confessionnelles en parties du Pacte est – nous l’avons déjà signalé – quelque chose de bien différent de la Constitution. Elle réagit sur cette dernière, sur le Pacte lui-même, sur la cohérence et l’autonomie de l’État et, partant, sur la paix civile dont elle met en question la longévité. En effet, la “Formule” se mue en amarre de conflits civils qu’elle échoue à prévenir, cet échec polarisant, à son tour, des facteurs de discorde émanant de l’evironnement régional et international; les effets de ces facteurs atteignent le pays pour, de nouveau, se répercuter sur leurs lieux de provenance.

Quels effets la “Formule” exerce-t-elle sur le Pacte d’abord? En réalité, elle le vide de son contenu, en dépit du fait qu’elle tire de lui sa légitimité théorique.

Interdite par le Pacte dont une des parties devait s’abstenir de jamais y avoir recours, la sollicitation d’une protection étrangère a fini par devenir une pratique commune aux deux parties contractantes. Au lieu d’une protection, nous nous sommes trouvés en présence de plusieurs, les deux parties du Pacte étant bien plus que deux, en réalité. Le Pacte gratifiait le Liban d’un rôle unitaire dans l’édification d’une solidarité arabe; or, c’est le recours de parties libanaises à l’appui de telle partie régionale, libanaise ou non, qui a toujours prévalu: recours qui, loin de renforcer la solidarité arabe, a pour effet plausible d’aggraver les dissensions libanaises. Un autre effet coutumier de ce même recours est de saper, partiellement, au moins, les assises de l’État indépendant. À son tour, l’affaiblissement du pouvoir public ne laisse pas de mettre en danger la paix civile. En effet, dans un contexte de dépendances éparses et de réduction du consensus national à son noyau minimal, la possibilité devient grande, dès que le besoin s’en manifeste, d’abattre de l’extérieur cette paix, moyennant la mobilisation d’une réserve intérieure déjà disponible. Pendant la dernière guerre, la polarisation à partir de l’extérieur a revêtu, au fur et à mesure que l’État s’étiolait, des formes flagrantes. Les parties du conflit s’étaient munies de véritables bras diplomatiques; elles avaient, en marge de l’État, de multiples échanges avec les ambassadeurs et s’érigeaient même en partenaires contractuels quasi-indépendants d’États étrangers. Déjà cependant, cette tendance n’était pas propre au temps de guerre; ce temps révolu, elle ne s’est pas entièrement résorbée…

En bref, la “Formule” que le Pacte a renouvelée et consolidée n’a fait que mettre en péril ce que le Pacte avait voulu assurer à l’État: sa souveraineté intérieure et son indépendance vis-à-vis de l’Extérieur. La protection plus ou moins aléatoire de chaque communauté contre le danger d’une marginalisation excessive a pu être maintenue; elle ne se traduisait jamais par un partage raisonnablement équitable du pouvoir et de ses différentes mannes. Plus dangereusement, cette protection ne se maintenait qu’au prix d’une excessive hypothèque pesant à la fois sur la paix interne et sur la sécurité nationale qui, toutes deux, demeuraient exposées à l’humeur instable de la conjoncture environnante. Encore une fois, cette humeur disposait de ressources libanaises faciles à mobiliser et à entretenir. En termes plus pertinents pour notre propos, l’écartement du despotisme monocommunautaire (écartement qui, d’ailleurs, n’exclue pas une dose, variable selon les communautés, de despotisme intra-communautaire) n’a guère débouché sur la mise en évidence d’un intérêt général, autonome par rapport aux commuautés. Obnubilé, cet intérêt n’a pu donner naissance, à son tour, à un Pouvoir public assez détaché des groupes pour se préserver contre la menace de désagrégation tout en se défaisant du besoin de protection étrangère. La gestion et la résolution des conflits travaillant la société libanaise se ressentent toujours de cette déficience de suprématie de l’intérêt général.

Que fait la “Formule” de la Constitution, en deuxième lieu?

La Constitution garantit les droits de l’individu-citoyen; la “Formule”, elle, confisque l’être même de cet être en l’enrôlant, de gré ou de force, dans sa communauté d’origine. Elle le confisque dans le berceau, dans la tombe et dans la substance de l’entre-deux. Ce faisant, elle rétrécit gravement le champ des choix politiques de cet être et celui de ses droits civils; elle lui impose un régime de statut personnel ne correspondant pas nécessairement à ses croyances personnelles. En plus, elle encourage le milieu communautaire qui l’environne à limiter son droit de gérer librement sa vie privée. Ce sont là des limites certaines de la “démocratie” libanaise, envisagée du côté des Droits de l’Homme.

La Constitution stipule la séparation des pouvoirs; la “Formule”, elle, met le chef du pouvoir législatif – quel que soit son nom – dans l’impossibilité de résister, en tant que leader politique d’une communauté, à la tentation de s’immiscer, dans l’intérêt de sa communauté ou des fractions qu’il représente de cette dernière, dans l’exercice du pouvoir exécutif. La formule menace, d’autre part, en placant face à face les deux chefs de l’exécutif, de les engager, en tant que représentants principaux de deux communautés, dans d’interminables tiraillements qui ont pour principal fruit de retarder ou même de geler la solution des problèmes courants ou encore de pousser à un troc de décisions favorisant, tour à tour, chacun des deux Présidents.

Par voie de conséquence, les pouvoirs que – du fait qu’ils sont ceux de l’État national – la Constitution suppose être publics, se trouvent en fait noyautés, partiellement du moins, par des centres d’influence. À chacun de ces centres, échoit la tâche de consolider ou d’élargir l’allégeance communautaire à son chef. Il s’agit là d’une situation qui renforce la propension à étendre le cercle de la distribution symétrique des faveurs, en faisant fi de toute logique d’intérêt général, des limites des ressources de l’État et de l’échelle de priorités de ce dernier. En plus du gaspillage croissant et de la multiplication des faveurs, les travaux sont souvent mal exécutés: le but d’utilité publique qui motive leur réalisation est doublé ou même éclipsé par le dessein de rassasier l’appétit des profiteurs et celui de leurs parrains. Les ressources de l’État constituent, bien entendu, une limite objective – assez élastique, il est vrai – à cette tendance; on en fera donc une estimation plus ou moins irréaliste. Autant du côté de la transparence que de celui de la responsabilité, ces pratiques rétrécissent le champ de la démocratie. Réduisent-elles également les chances de préserver la paix civile? En fait, celle-ci ne peut que se ressentir d’une évetuelle crise générale. Il est probable que, s’apercevant du fait que les limites des ressources publiques ont été depuis longtemps dépassées, seule une minorité exigera une assignation générale des responsabilités. Ceux au profit desquels les bornes ont été déplacées – et ils sont légion! – se livreront probablement à un échange d’accusations, chaque partie s’efforcant d’incriminer ses concurrents – et complices – d’hier. Les lignes de démarcation entre les partenaires étant d’abord confessionnelles, chacun mobilisera pour sa défense, son milieu bien familier. Il s’agit là – c’est le moins qu’on puisse dire – de procédés peu indiqués pour la défense de la paix civile; nous en avons eu, d’ailleurs, il n’y a pas longtemps, un avant-goût.

La parcellisation en symétrie que la “Formule” provoque dans les pouvoirs publics a pour conséquence de rendre suspect de mollesse dans la défense des intérêts de sa propre communauté, tout responsable qui – s’en tenant aux termes de la Constitution – met en avant l’intérêt général dans l’exercice de l’un ou l’autre des pouvoirs publics. Or, c’est là une accusation dont les politiques n’apprécient pas beaucoup la compagnie prolongée. Tel qu’il se révèle à l’imaginaire d’une communauté, l’intérêt communautaire coincide rarement avec l’intérêt général; il en est même souvent l’antithèse. En fait, on exagère à peine en disant que, dans le rêve de son public, l’intérêt d’une communauté consiste à voir tous les écoliers lui appartenant passer brillamment leurs examens, toutes les familles bénéficier de subventions étatiques et la communauté entière jouir d’une exemption totale d’impôts! Aussi, la “Formule” échoue-t-elle à faire cristalliser, dans l’imaginaire communautaire, le Pouvoir d’État en tant qu’Autorité habilitée à rendre ce qu’elle doit et à prendre ce qui lui est dû. Tout au contraire, les droits des particuliers apparaissent au susdit imaginaire comme étant, à la fois, des devoirs de l’État et des faveurs que le Dirigeant de la communauté, toujours en alerte, octroie à celle-ci. Les devoirs des particuliers se muent, de leur côté, en simple corvée que le même Dirigeant est sensé éloigner, autant que faire se peut, des épaules de ses clients. En faisant sienne cette double représentation, le “Responsable” voit sa fonction s’augmenter d’une attribution essentielle: celle de mettre hors jeu les lois qui grignotent nécessairement le pécule des particuliers ou, encore, brident la tendance de ceux-ci à suivre, dans la quête de leurs intérêts, des voies convenables pour eux-mêmes mais non agréées par la Loi. Aussi, les dirigeants se retrouvent-ils, chacun à son poste de responsabilité, devant deux définitions souvent contradictoires de leurs charges respectives: l’une conforme à la Constitution et aux lois et l’autre émanant de la “Formule”. D’une part, ils sont supposés appliquer ou faire appliquer les lois – ou même font oeuvre de législateurs, dans le cas des parlementaires – et de l’autre, ils sont pressés d’oeuvrer pour la neutralisation de ces mêmes lois là où leur application contredit leurs intérêts ou ceux de leurs clients… sans parler de cas où ils sont amenés à s’ériger en protecteurs des contrevenants ou même en promoteurs de l’illégalité.

Sans être nécessairement visible, l’effet de ce type de pratique sur les chances de survie de la paix civile est toujours déterminant. Un loyalisme chancelant à l’État, la non reconnaissance de la suprématie de son autorité par rapport aux pouvoirs privés, qu’ils soient symétriques ou intriqués, la mollesse de l’obédience volontaire à la Loi: autant de facteurs qui ne peuvent qu’affaiblir, en définitive, la capacité que doit posséder l’État de faire barrage à l’escalade libre des conflits divers en oeuvre dans la vie sociale. C’est la fonction proprement étatique d’arbitrage des conflits entre les différents groupes constitutifs de la société et de résorption des crises que traverse celle-ci, qui s’en ressent.

Une “Formule” en panne

Dès le jour de sa promulgation, en 1926, la Constitution a décrété la nécessité pour la “Formule” d’opérer son propre dépassement. C’est aussi ce que supposait la Déclaration ministérielle du premier gouvernement du Liban indépendant: déclaration réputée être le texte qui serre au plus près le contenu du Pacte national. La même hypothèse – nous l’avons déjà signalé – a été reprise, affublée, cette fois, d’un mécanisme de mise à exécution, par l’Accord de Taef et par la Réforme constitutionnelle qui a suivi son adoption, à la fin de la guerre. Cependant, dans le sillage de chacune des trois grandes crises qui ont donné naissance a ces textes, la “Formule” se parait de nouveaux atours, faisant fi de l’impératif constitutionnel et s’empressant de se donner pour éternelle, autrement dit pour éternelle garantie du statu quo. Or – la vie et l’histoire en avaient décidé ainsi – les équilibres réels (démographiques, socio-économiques et politiques) du pays étaient entraînés dans un perpétuel changement. Cette antithèse de la “Formule” immuable et des équilibres mouvants se développait sans arrêt. Considérée sous l’angle de son degré d’adaptation aux changements sociaux, la “Formule” en devenait une formule en panne.

Pas moins qu’hier, la même antithèse continue aujourd’hui à se développer. Afin que la “Formule” s’accommode tant soit peu d’une nouvelle conjoncture, il a fallu attendre, à chaque fois, une guerre mondiale ou une guerre à la fois civile et régionale. Au lieu d’oeuvrer pour son dépassement conformément à la Constitution, on se rue aujourd’hui vers la consolidation de la “Formule”; ses tentacules atteignent de nouvelles sphères de la vie sociale. Ce faisant, on laisse la résorption de l’anthitèse sus-mentionnée aux soins de conjonctures déjà éprouvées: une guerre extérieure semant le trouble dans le pays même ou, à défaut, une guerre civile menée par procuration afin de limiter, pour des parties extérieures, le coût qu’un affrontement direct ne manquerait pas de leur imposer.

Le système libanais offre incontestablement des garanties contre l’exercice, par une communauté du pays, d’une emprise proprement tyrannique sur une autre. Ceci dit, l’exercice d’une certaine dose d’hégémonie ou de domination communautaire n’est jamais exclue. Ce qui l’est, bien au contraire, c’est la possibilité de modifier cet état des choses par des moyens politiques. Le système favorise, au besoin, le recours aux armes pour défendre une hégémonie ou une domination. Au prix d’aliéner l’indépendance, il est susceptible de provoquer – autant pour défendre la domination ou l’hégémonie que pour leur résister – des alliances extérieures symétriques. De plus, il produit un État chancelant, inapte à mobiliser pour sa défense (sinon mollement) les différents groupes constitutifs du pays; pourtant ces derniers ont prouvé leur capacité d’assurer vaillamment leur propre défense contre l’État autant que contre d’autres parties. Il arrive même à tel d’entre eux de combattre, au besoin, (et de battre) une Grande Puissance. Au besoin aussi, ces groupes se battent entre eux, ce qui s’inscrit parfaitement dans la logique du système. Telle a été notre situation hier et telle est-elle aujourd’hui. Il reste vrai, toutefois, que la faculté d’exclure le despotisme intérieur est un avantage immense du système libanais ou – pour être précis – de la “Formule” libanaise. Car, de ce despotisme, nous avons connu, autour de nous, des exemples effroyables. Cet avantage suffit-il pour ranger parmi les démocraties le système libanais? S’agissant ici de l’aptitude de la démocratie à préserver la paix, l’assimilation de la démocratie à la seule exclusion du despotisme voudrait dire, dans le cas qui nous occupe, que la démocratie libanaise, loin de nous prémunir contre le danger de confrontation violente, rend probable cette éventualité et ne cesse de nous en rapprocher. En offrant, par ailleurs, un champ propice à la déstabilisation régionale, notre “Formule” ne contribue guère à l’accroissement des chances de la paix dans la région. Quelle que soit la difficulté de l’avouer, ce mode d’usage régional de notre espace, constitue, bel et bien, pour les États de la région, un motif (entre autres plus souvent évoqués) de tolérer, au Liban, le type d’État dont on vient de brosser la description. Il va sans dire qu’à l’ombre de leur “Formule” souvent qualifiée d’”unique”, les Libanais fournissent le gros du cortège de victimes dans les deux cas de conflits internes et de confrontations régionales et internationales que leur pays ne cesse de connaître.

Le dilemme

Qu’arrive-t-il à chaque fois que quelqu’un s’avise de mettre en lumière ce dilemme qui se déploie entre l’exclusion du despotisme intérieur et l’appel à la guerre civile? Ce qui prépare la guerre civile, ce ne sont pas tellement les prières destinées à soustraire au mauvais oeil la miraculeuse “Formule”. La guerre trouve un terrain propice dans la dissolution du pouvoir public, la corruption structurelle généralisée, l’écartèlement de la société en groupements primaires. Or qu’arrive-t-il lorsqu’on tente d’attirer l’attention générale sur ces réalités? Immanquablement, l’inlassable ronronnement si familier redouble de vigueur. Des perles apprises par coeur sont égrénées: “La démocratie n’est jamais parfaite”, “les sociétés plurales sont exposées à l’instabilité”, nous dit-on; que dire alors de celles condamnées à vivre dans un environnement régional très mouvementé? Nous nous retrouverons, donc – c’est garanti! – gros Jeans comme devant. Or, ce mépris que le discours dominant recèle des lecons de la guerre du Liban, ce refus même de tirer de cette guerre une quelconque lecon, sinon la condamnation des Libanais à attendre, sans broncher, de nouvelles guerres, ne peuvent inspirer, à leur tour, qu’un profond mépris. À partir de la chute de Napoléon, la Suisse a pu traverser les guerres européennes (dont deux guerres mondiales) sans être forcée de rompre l’union qu’elle incarne de la paix intérieure et du pluralisme. La démocratie qui coiffe cette union trouve encore du temps pour organiser des référendums autour des procédés de fabrication du gruyère. La Suisse serait-elle Sirius pour notre “Suisse de l’Orient”? Admettons-le. Mais la Turquie, elle aussi, a traversé deux guerres mondiales dont la première a balayé les “royaumes” des Osmanlis. Elle ne s’en est pas mal sortie, compte tenu du mélange de Hanafites, de Kurdes, d’Alévis, de Grecs-orthodoxes, de Juifs, etc., que présente son paysage humain. Un État laic coiffe cette pluralité; il pratique une démocratie imparfaite (toutes le sont, on vient de le rappeler) et assure une paix civile devenue toute relative au cours de ces dernières années, mais qui reste, de loin, préférable à ce que les Libanais ont enduré. On nous objectera, sans doute, que la Turquie est un pays d’une toute autre taille que le Liban. Et la Jordanie, alors? Elle a des dimensions bien comparables à celles du Liban. Et pourtant, l’État jordanien a réussi à repousser le spectre de la guerre civile, c’est à dire à maintenir la cohérence d’un peuple dont une moitié est d’origine bédouine et l’autre formée de Palestiniens au regard braqué sur la Palestine. Or le Pouvoir se trouvait en butte à des milices qui n’étaient autres que le bras armé de la Révolution palestinienne. Par ailleurs, la Jordanie est située au coeur d’une région que délimitait alors la puissance agressive d’Israel, le regard invariablement coléreux de la Syrie, la démagogie de l’Égypte nassérienne, la duplicité de la politique saoudienne et un Baas irakien impatient d’étendre sur le voisinage l’ombre de ses “augustes” dirigeants. Quand donc les Libanais ont-ils eu à affronter plus dures pressions? Il reste vrai, néanmoins, que le Liban n’est ni la Suisse ni la Turquie ni la Jordanie. Et pourquoi donc devrait-il être autre que lui-même pour se pencher sur le dilemme qui joint son passé à son avenir?

De l’import-export

Ce qui précède peut aider à aborder, à partir du cas libanais, une autre question dont les deux cas afghan et irakien ont renouvelé l’actualité. C’est la question de l’exportation de la démocratie. Nous l’approchons en gardant à l’oeil le rapport – qui nous préoccupe ici – de la démocratie aux conditions de sauvegarde de la paix civile. Pour devenir exportable, la démocratie se doit de se réduire à un régime de gouvernement et à un système de lois. En effet, l’attente de l’importateur risquerait de s’avérer trop longue si le colis devait contenir aussi une culture et un modèle de société. La démocratie réduite s’exporte dans des pays dont les structures sociales de base, avec leur train de spécificités, restent l’objet de l’ignorance souveraine des exportateurs mondiaux. Or la question des caractéristiques que présentent les formations primaires d’une société, celle du mode de traitement des rapports de ces formations avec les formations secondaires dont la démocratie requiert l’existence, celle de la création même (et de la consolidation) de ces formations secondaires là où elles manquent à l’appel, convergent pour constituer une seule et même question. Et c’est bien cette question que les sociétés auxquelles on demande de devenir démocratiques sont obligées de se poser. Il s’agit là d’une question bien plus urgente que celle du rapport entre la démocratie et le développement. Ce qui, bien entendu, ne diminue en rien la nécessité de déterminer la mesure dans laquelle le développement constitue une voie – qui, certes, n’est ni sûre ni unique – vers l’aménagement d’une assise de la démocratie. On ne peut oublier, d’autre part, que la démocratie s’exporte, de nos jours, dans les bagages du néo-libéralisme. Or, en détrônant l’État-Providence dans des pays qui sont encore dépourvus de “sociétés civiles” convenablement structurées et disposant de ressources passablement suffisantes pour faire face aux charges que l’État laisse derrière lui en se retirant de l’arène sociale, le néo-libéralisme réduit les plus faibles (et une partie des moins faibles) à la nécessité de se débattre, pieds et poings liés, cette fois, dans l’inextricable filet de la misère. En effet, la structure même de l’État, dans ces pays, le fossé qui les sépare de l’État de droit, constituent un gagne-pain pour une multitude considérable qui jouit, par ce biais, d’une sécurité garantie tantôt par la Loi et tantôt par le laxisme de cette dernière et la possibilité couramment offerte de la détourner. Au Liban, par exemple, une masse de gens bénéficie, en plus de la sécurité sociale légale, de l’inflation des administrations étatiques, d’une sécurité pratiquement absolue de l’emploi et de pensions maquillées en subventions à la production ou en compensations de dégâts. Une partie de cette masse monnayent des parcelles, d’inégale importance, d’influence politique ou administrative contre des pots de vin ou des rackets. D’autres encore vivotent en pratiquant des professions illégales ou en outrepassant les conditions légales requises pour s’adonner à d’autres métiers ou occupations.

Au Liban, également, le secteur associatif offre au regard un essaim impressionnant d’associations entretenues par la société traditionnelle, c’est-à-dire par des communautés familiales, villageoises, confessionnelles, etc. Ces associations sont très souvent entretenues grâce à la mobilisation, rarement exempte de confessionnalisme, de communautés d’émigrés. Elles bénéficient également de l’appui d’États étrangers, proches ou lointains, pour lesquels le critère confessionnel compte également. Last but not least, elles échangent un soutien réciproque avec des personnages influents du milieu politique libanais. Tous cas qui se croisent pour former un tissu compliqué. Et c’est ce tissu dont la cohérence est assurée par la protection politique et le trafic d’influence, que menace de défaire le néo-libéralisme et l’État de droit. Car même l’émigré qui veut faire un don à une école dépendante d’une société de bienfaisance, s’adresse de préférence, à un parrain influent, susceptible de récompenser, un jour, son geste, ou dont la promotion parait indiscernable de celle de sa communauté et des institutions qui font la fierté de celle-ci. Les associations laiques ou assimilées, elles, restent en deca de leurs homologues traditionnelles, en nombre et en moyens. Quand elles ne sont pas carrément étrangères, elles demeurent plus ou moins handicapées par leur dépendance du financement étranger ou international. Qu’offre alors pour faire face à cet état de misère déguisé en sécurité, un néo-libéralisme déguisé en État de droit et ennemi de l’État-providence? Qu’a-t-il prévu pour préserver, là où il vient camper, la paix civile et tout ce qui dépend de son maintien? Se contentera-t-il de regarder d’un mauvais oeil les fonctionnaires corrompus au chômage, les malades chassés du paradis de l’assurance-maladie, le écoliers mis au ban des écoles, les familles privées de l’eau courante et de l’énergie gratuites, les cultivateurs de tabac nostalgiques des subventions de naguère…? Donnera-t-il à l’État de droit, après avoir promené son regard de feu sur ces nuées de sauterelles humaines, l’ordre d’arrêter tout terroriste déguisé en sauterelle? Ou bien, laissera-t-il ceux qui, hier encore, parasitait la société à partir de postes étatiques et l’État à partir de positions sociales, revenir à la charge en parasitant (en bons maffieux) la société à partir de positions sociales pour, de nouveau, investir les rouages étatiques? Et sinon, laissera-t-il aux destinataires de son appareil légal d’exportation, un répit pour méditer sur les conditions de préservation de leur paix civile et le loisir de les assurer?

Ce disant, nous n’ignorons guère que la démocratie, pour se développer, a besoin de lois et d’institutions et que nul n’est autorisé à dénigrer les garanties légales des libertés et la prévention de la tyrannie par la force de la Loi. Nous croyons cependant que l’instauration d’une démocratie authentique, compatible avec le maintien de la paix civile et la préservation, par voie de conséquence, de tout ce qui en dépend (c’est-à-dire, entre autres, de la démocratie elle-même) est une tâche que les dispositions légales restent loin d’épuiser; son accomplissement n’est point affaire d’import-export, en dépit du fait qu’avec le respect de délais temporels appropriés, des relations favorables avec l’environnement régional et mondial aident considérablement à bien s’en acquitter. En 1926, les Francais ont importé, pour notre compte, une Constitution dont on ne peut, en toute équité, que saluer le caractère éminemment démocratique. Ils l’ont importée de France, de Belgique et d’Égypte. Ce qui précède n’est que le sommaire de ce qu’en 77 ans, nous avons fait de cette Constitution. Sous l’effet de facteurs – dont nous encourons, pour l’essentiel, la responsabilité – nous n’avons pu avoir ni beaucoup de paix ni beaucoup de démocratie. Plus grave encore, en ce temps présent, est de constater que nous n’avons assuré ni plus de démocratie ni plus de paix pour les temps à venir.

*****

Ce pays est le seul que j’ai; ma loyauté ne va à nul autre. Le fait de me retrouver beaucoup moins attaché à ce qu’on appelle la “Formule” libanaise que le Président Mohammad Khatami remplit mon coeur de tristesse. Ce n’est pas une raison pour m’en excuser.

* Communication faite à la conférence sur Démocratie et Paix, organisée par la Commision internationale de l'Unesco pour la Paix et le Développement, la Section de la Philosophie et des Sciences humaines à l'Unesco (Paris) et le Centre International des Sciences de l'Homme (Byblos, Liban) et réunie à Beyrouth les 2 et 3 juin 2003.

(Texte traduit de l’arabe par l’auteur en juillet-août 2003)

Wednesday, March 15, 2006

La "formule", le pacte et la Constitution


الصيغة، الميثاق، الدستور

لبنان الطائفي بين ديمقراطية وسلام

أحمد بيضون


آثرت الإعراض عن الدخول في جدل نظري بحت مع المطالعة المحكمة التي وضعها بين أيدينا آلان كاييه. فقد لا يترك لي ما تتسم به هذه المطالعة من إحكام سبيلا إلى المجادلة أو قد لا أكون مؤهلا أصلا لولوج هذا السبيل.

عليه اخترت أن أنظر في ما إذا كان للتجربة اللبنانية أن تقدم إسهاما في جهد الإجابة عن سؤال كاييه المتصل بأهلية الديمقراطية لدرء النزاعات.

والمراد بالنزاعات، في هذه الحالة، ما كان منها داخليا أولا. أي أننا نعرض، من خلال الحالة اللبنانية، للعلاقة ما بين الخيار الديمقراطي والسلم الأهلي. ولكن دروس هذه الحالة تفيض، في الواقع، عن نطاقها الداخلي. فقد عرف لبنان نزاعات متعددة الأبعاد كان آخرها أطولها مدة وأفظعها حصائل. وقد اندرج هذا النزاع في مواجهة إقليمية عمل بعض أطرافها مباشرة على الأرض اللبنانية وعمل بعضهم من خارج هذه الأرض. وكان لهذه المواجهة، في تجلياتها اللبنانية، بعد دولي مؤكد وصل إلى حد الدخول العسكري لأطراف دولية إلى لبنان أيضا، بدعوى فض النزاع، ووصل أيضا إلى حد استهداف هذه الأطراف مباشرة من جانب خصومها، في النطاق اللبناني. واستمرت بعد انكفاء العنف الأهلي حرب مقاومة للمحتل في جنوب البلاد، وهي حرب ما برح بعض مفاعيلها من إقليمية ودولية وما برح أيضا ما يلي هذه المفاعيل من عواقب يرزح ظلها على البلاد، واقعا قائما إلى اليوم. وهذا كله فضلا عن استواء الحالة اللبنانية، مدة الحرب، مدارا سياسيا من مدارات الصراع بين الدول الكبرى في تلك المرحلة.

عليه فإن السؤال الذي يتناول السلام الأهلي في صلته بالديمقراطية ينطوي أيضا، من حيث المبدأ، على سؤال عن الصلة بين نوع بعينه من "الديمقراطية" – هو المعتمد في هذه البلاد – وبين حظوظ السلام الإقليمي وما يليه من آثار في الساحة الدولية.

هذا وينطوي اختيارنا هذا المدار لبحثنا على أمر آخر. ينطوي على الرغبة في إبراز الأساس الاجتماعي الذي يصح افتراض ضرورته للديمقراطية. وهذه مسألة تتعدى مجرد السؤال عن درجة النمو الاقتصادي المناسبة للديمقراطية، إذا جاز افتراض مناسبة من هذا القبيل. فهي تتناول صفة التشكيلات الغالبة على المجال العام. وهذه يحتمل أن تكون دواعي غلبتها متشابهة بين مجتمعات غنية وأخرى فقيرة. وهي – أي مسألتنا – تضع على المحك إمكان فرض الديمقراطية مع افتراض كفالتها للسلم الأهلي، بخاصة، بقوة القوانين المناسبة وحدها. هذا ناهيك بإمكان استيرادها على عجل من وراء البحر استجابة لإرادة خارجية ما.

الأثافي الثلاث

في لبنان، تعتمد مراجع ثلاثة للحكم على التصرفات السياسة أو لها: الدستور الميثاق، الصيغة. ونحن سندير معالجتنا للمسألة التي طرحنا على استكشاف شبكة الصلات التي نسجها تاريخ لبنان المعاصر بين هذه الأقانيم الثلاثة. هذا ولا نعدّ اتفاق الطائف رابعة الأثافي، لا غضّا من شأنه وهو قد رعى خروجنا من الحرب، بل لتقديرنا صورة بعينها لعلاقته، نصا ثم تطبيقا، بأركان الثلاثي الآنف الذكر. فما نراه هو أن الاتفاق كان، في تصوره مرحلة انتقالية رسم معالمها، تعديلا للصيغة اللبنانية قضى به تبدل الأحوال عبر تاريخ لبنان المستقل. وكان أيضا تعديلا للميزان بين مقولتين تقابلتا في الميثاق ويأتي ذكرهما عما قليل. ثم إن اتفاق الطائف افترض للنظام اللبناني طورا ينتقل إليه عبر هذه المرحلة الانتقالية وهو طور اللاطائفية من جهة الصيغة وجلاء القوات السورية عن لبنان من جهة الميثاق. وحين لم يحصل هذا ولم تتحقق تلك استحال تعديل الصيغة فضيحة لها وتعديل الميثاق انحطاطا بالميثاق إلى الكذب. ثم إن مساق الإصلاح الذي انتقل من الاتفاق إلى الدستور قصّر عن تحسين للدستور كان يبتغيه لأن خطا خطوة أولى ووقف بعدها فأفسده تجميده واللعب المنفرد بمندرجاته وعزله عن بيئة وفاقية افترضت له في الاتفاق. فالذي كان ينبغي له أن يستوي مسيرة اقتصر منه على دعسة ناقصة. هذا ما كان.

فإذا عدنا إلى ما نحن بصدده مبتدئين بالميثاق الوطني – وهو الذي يطلق اسمه على ما جرى من اتفاق بين أول رئيس لجمهورية لبنان المستقل وأول رئيس لحكومته في عشايا الاستقلال – كان علينا أن نلاحظ أن المضمون الصريح لهذا الاتفاق لا صلة له بطبيعة النظام السياسي: أيكون ديمقراطيا أم غير ذلك؟ فمضمون الميثاق الصريح ترك المطالبة بالوحدة العربية (أو السورية) من جانب من اللبنانيين وترك المطالبة بالحماية الأجنبية من الجانب الآخر. غير أن الميثاق ، بما هو عقد، يرتدّ، ضمنا، إلى إيلاء مقام هو مقام تأسيس الدولة المستقلة لأطرافه. وهذه الأطراف هي الطوائف اللبنانية، ضمنا أيضا. هذا الاستواء للطوائف، حصرا، أطرافا في تأسيس الدولة المستقلة يفضي إلى شيء غير الميثاق ( وغير الدستور الذي سيأتي ذكره فورا) هو ما يسمى الصيغة اللبنانية، وهي، من وجه ما، أسبق عهدا من الدستور ومن الميثاق.

أما الدستور فهو، من حيث الأساس، في وارد غير وارد الصيغة الطائفية. هو يرسي جمهورية برلمانية عادية: من مجلس النواب المنتخب لمدة محدودة إلى الحكومة التي تحكم بثقة هذا المجلس إلى رئيس للجمهورية منتخب من جانب المجلس ولا تجدد ولايته وتحد صلاحياته (بعد تعديل 1990 على الأخص) مؤسسات وأصول صارمة أظهرها مؤسسة مجلس الوزراء الذي عاد رئيس الجمهورية لا يسمي رئيسه إلا بنتيجة استشارات نيابية ملزمة. هذا وليس للرئيس من سلطة مباشرة على الإدارة العامة ولا على القوات المسلحة ولا، بالطبع، على القضاء. في الدستور، على صعيد آخر، كفالة للمساواة أمام القانون وللحريات العامة الأساسية ولحقوق الأشخاص وحرياتهم. هذا كله يزكي التسليم بتوفر النظام على مقومات رئيسة للديمقراطية: الحريات العامة والخاصة، تداول السلطة، تولي المؤسسة المنتخبة مسؤولية التشريع ومحاسبتها السلطة التنفيذية، رقابة الحكومة على الإدارة بتوسط الهيئات المختصة وفي نطاق القانون، تبعية الأجهزة العسكرية والأمنية للسلطة السياسية، بل أيضا تزكية المبادرة الفردية والنظام الحر في مجال الاقتصاد، إلخ.. ولا يمنع هذا وجود مطاعن في كفاية الضمانة الدستورية لاستقلال القضاء وفي كفالة الدستور للشفافية في عمل الدولة وأجهزتها. ولكنها مطاعن لا تبطل غلبة التوجه الديمقراطي غلبة مؤكدة على الدستور اللبناني.

لا يبطل هذه الغلبة أيضا وجود منافذ محدودة في نص الدستور للصيغة الطائفية: المادة 95 التي كانت، في صيغتها القديمة، تنص على تقاسم طائفي لمقاعد الحكومة ولمراكز الإدارة، وهذا "بصورة مؤقتة والتماسا للعدل والوفاق"، ثم عدّلت سنة 1990، فحصرت التقاسم الإداري في وظائف الفئة الأولى وما جرى مجراها. وقد استعاض التعديل عن"الصورة المؤقتة" لمنطوق المادة بتوجه صريح إلى إلغاء الطائفية في الحكم وفي الإدارة حاصرا التقاسم المشار إليه في "المرحلة الانتقالية".

وأما طائفية النيابة فلم يكن لها أثر في الدستور قبل تعديل 1990. وإنما كانت تظهر في قانون الانتخاب. وهذا قانون ليست له، مبدئيا، حرمة الدستور، وكان قد خضع مرارا كثيرة لتعديلات كبيرة وصغيرة، ولكن المبدأ الطائفي في توزيع المقاعد بقي ثابتا فيه. وأما تعديل 1990 الدستوري، فجعل إعمال هذا المبدأ أمرا مؤقتا، بعد أن اعتمد توزيع المقاعد مناصفة بين طوائف الديانتين. عليه رتب على المجلس مهمة سنّ قانون للانتخاب يفكّه من القيد الطائفي.

من منافذ الصيغة إلى الدستور أيضا أن المادتين 9 و10 تكفلان للطوائف احترام نظام الأحوال الشخصية الخاص بكل منها مع سائر مصالحها الدينية وكذلك الحق في إنشاء المدارس. وليس في هذا مساس بالمبدأ الديمقراطي. إذ لا يفهم منه أن على أنظمة الأحوال الشخصية أن تكون طائفية حصرا ولا، بالطبع، أن إنشاء المدارس حق حصري للطوائف.

لا يكفي هذا كله – وهو بين "مؤقت و"انتقالي" وغير حصري – مطعنا في روح الدستور الديمقراطية. ولكن ديمقراطية الدستور لا تستنفد عناصر الإجابة عن حظوظ السلام الأهلي في الدولة التي يفترض أنها تحكم بموجبه.

هل هذه الدولة تحكم بموجب دستورها فعلا؟

أشرنا إلى أن "الصيغة اللبنانية" المكرّسة بافتراض الطوائف أطرافا لعقد الميثاق، إنما هي شيء مختلف جدا عن الدستور. وهي ترتد عليه وعلى الميثاق نفسه ثم على تماسك الدولة وعلى استقلالها، وفي ما يلي ذلك على سلام أهلي لا ترجّح حفظه. أي أنها تستحيل مرسى لنزاعات أهلية تخفق في درئها مع ما ينطوي عليه هذا الإخفاق من استدراج عوامل للاضطراب مصدرها النطاقان الإقليمي والدولي ومن عواقب تقع على البلاد وتنعكس منها على النطاقين المذكورين.

فما الذي تفعله الصيغة بالميثاق أولا؟ هي تبدد محتواه، في الواقع، على الرغم من أنها تستمد منه شرعيتها النظرية.

وذلك أن طلب الحماية الخارجية الذي حظره الميثاق عمّ لاحقا جهتي الميثاق عوض أن تقلع عنه إحداهما. وتحولت الحماية إلى حمايات لأن الجهتين، في واقع أمرهما، جهات. وكان الميثاق يفترض دورا موحدا للبنان في المساعي إلى تعزيز التضامن العربي. ولكن ما غلب، على الدوام، كان استجارة لأطراف لبنانية بهذا الطرف الإقليمي أو ذاك، عربيا كان أم غير عربي. وهذا على نحو يؤول عادة إلى تأجيج التنازع الداخلي لا إلى تعزيز التضامن العربي. وكان في هذه الاستجارة، عادة أيضا، تبديد لبعض مقومات استقلال الدولة. وهو ما يؤول إلى إضعاف سلطتها العامة في الداخل بما ينطوي عليه الإضعاف من تعريض للسلم الأهلي. فحيث تتفرق التبعيات ويتقلص مضمون الإجماع الوطني إلى نواته الدنيا، تسهل إطاحة السلم من الخارج، عند اللزوم، بتوسيط احتياط داخلي طيّع. وقد اتخذ الاستقطاب الخارجي، مع تهالك الدولة، في زمن الحرب، صورا صارخة. فتزودت أطراف الحرب أذرعا دبلوماسية تخاطب السفراء ويخاطبونها، بمعزل عن السلطة العامة، وتعقد مع الدول ما يشبه المعاهدات. على أن هذا النزوع لم يكن بدأ مع الحرب ولا هو انتهى بانتهائها...

الخلاصة إذن أن الصيغة التي جدّدها الميثاق ورسّخها زعزعت ما افترضه هذا الأخير من استقلال للدولة حيال الخارج وسيادة لسلطتها على الداخل. فكان أن استمرّت، وإن على تعثّر، حماية هذه الطائفة أو تلك من التهميش المفرط ( وهي حماية لم تنته، في أي وقت، إلى إنصاف عملي في التوزيع الطائفي للسلطة ولمنافعها). ولكن الحماية اقتضت مقابلا باهظا هو رهن السلم الأهلي (والسلم الوطني معا) إلى حد مفرط، بأمزجة الظروف المحيطة بالبلاد. فمنحت هذه الأمزجة، مرة أخرى، موارد داخلية لبنانية سريعة الاستجابة، سهلة التوظيف. هذا معطى لا تعسر صياغته في عبارة أخرى أقرب إلى غرضنا هنا. فنقول إن تجنيب الصيغة البلاد استبداد الفئة الواحدة ( وهو لا يمنع وجود قدر من الاستبداد في كل فئة على حدة)، لم يفض إلى إرساء استقلال عن الفئات لمصلحة وطنية جامعة، واضحة المعالم، تغلّبها سلطة عامة لها من السمو عن الفئات ما يقيها مغبة التفكك ويجنّبها الحاجة إلى الحماية الخارجية. فيتيسر لها، من بعد، أن تسوس المجتمع وتعالج نزاعاته بمقتضى ذلك التغليب للمصلحة المشار إليها.

ما الذي تفعله الصيغة بالدستور ثانيا؟

الدستور يكفل حقوق الفرد المواطن والصيغة تصادر هذا الفرد المواطن نفسه فتضمه، طوعا أو قسرا، إلى الطائفة التي هي منبته. تصادره في المهد وفي اللحد وفي الكامخ بينهما. وهي تضيّق بهذا، إلى مدى بعيد، من دائرة اختياره السياسي ومن حقوقه المدنية وتفرض عليه نظاما لأحواله الشخصية لا يوافق، بالضرورة، معتقده الشخصي. وهي تأذن، فوق ذلك، لدواعي المحيط الطائفي بالحدّ من حريته في توجيه حياته الخاصة. تلك حدود مقررة لحدود "الديمقراطية" اللبنانية من جهة حقوق الإنسان.

الدستور يقول بفصل السلطات. والصيغة تجعل محالا على رئيس السلطة التشريعية، أيّا يكن، أن يعفّ، بما هو رأس سياسي لطائفة، عن التدخل لمصلحة طائفته أو ما يهمه منها، في عمل السلطة التنفيذية. والصيغة تنذر بنصب رأسي السلطة التنفيذية، أيّا يكونا، أحدهما في وجه الآخر، على أنهما رأسان سياسيان لطائفتين، وبإدخالهما في تجاذب متكرر تراوح حصائله ما بين تأخير الحلول أو تجميدها وبين مقايضة قرار يرجّح هذه الكفة بقرار يرجّح تلك.

ينجم من ذلك كله أن السلطات التي يفترض الدستور لكل منها عمومية معبرة عن صفتها الوطنية، تتوزع بعض مرافقها، في واقع الحال، مواقع نفوذ. فيوكل إلى كل موقع منها السهر على تثبيت الولاء الطائفي لرأسه أو على توسيعه. وهذه حال تغري بالتوسع المتقابل في توزيع المنافع توسعا يضرب صفحا عن منطق المصلحة العامة وعن حدود إمكانات الدولة وعن سلّم أولوياتها المفترض. فيستشري الهدر والتوسع في توزيع المنن وسوء التنفيذ لأشغال يقصد من تنفيذها نفع الجمهور، طبعا، ولكن يقصد معه أو قبله انتفاع المنفذين و رعاتهم. يبقى لهذا كله حدّ واقعي – ولكنه مطّاط – هو حدّ إمكانات الدولة، بعد التوسع قليلا أو كثيرا في تقديرها. وهذا كله حدّ للديمقراطية من جهتي الشفافية والمحاسبة. فهل هو أيضا حدّ للسلم الأهلي؟ لا ريب أن الأزمة العامة، إذا عصفت، مضرة بالسلم الأهلي. ومتى ظهر أن حدّ إمكانات الدولة قد حصل تجاوزه من زمن بعيد، يرجّح أن يعمد قلائل إلى الخوض في محاسبة عامة. ولكن الذين حصل التجاوز لحسابهم، وهم كثرة، يرجّح أن ينحي كل منهم باللائمة على الجهة التي كان لها شريكا مضاربا بالأمس. ولما كانت الفواصل بين الشركاء طائفية أصلا، فإن كلا منهم سيستنفر من يذود عنه في وسطه الأليف. وأقل ما يقال في مثل هذا – وقد ظهرت له بوادر في الماضي القريب – أنه بعيد جدا عن المسالك المفضية إلى توطيد السلم الأهلي.

ينجم من هذين التجزئة والتناظر اللذين تحدثهما الصيغة في السلطات العامة أن من يتولى واحدة من هذه السلطات فيختار الدأب في تغليب المصلحة العامة – ملتزما، بذلك، ما يفترضه الدستور همّا وحيدا لهذه السلطات – لا يلبث أن يجد نفسه وقد جعلته الصيغة موضوعا لشبهة التفريط بحق طائفته. وهذه شبهة لا يحلو لساسة الطوائف، عادة، أن تلازمهم ملازمة متمادية. وذاك أن مصلحة الطائفة، في تجليها لمخيلة هذه الأخيرة، يندر أن توافق المصلحة العامة أو هي كثيرا ما تناقضها، في الأقل. فليس إلا مبالغة نسبية أن نقول إن مصلحة الطائفة، في أحلام جمهورها، هي أن ينجح تلامذتها جميعا في امتحانات المدارس وأن تخص أسرها جميعا برواتب من الدولة وأن يشملها إعفاء عام من الضريبة! هكذا تخفق الصيغة في تفريد سلطة الدولة، لخيال الطوائف، على أنها سلطة مخولة أن تعطي الحق وأن تفرض الواجب. عوض ذلك يستوي الحق، في الخيال المذكور، على أنه حق من الدولة ومنّة من رأس الطائفة الساهر على تحصيله، في آن. ويستوي الواجب على أنه مجرد عبء وسخرة، يفترض في الرأس نفسه أن يبعد كأسه عن شفاه أبناء الطائفة. فإذا صدع المسؤول بهذا التصور، دخل في صلب عمله تعطيل القوانين التي تمد يدها إلى جيوب الناس بالضرورة أو تقيد نزوعهم إلى الانتفاع من سبل يعدونها مناسبة لهم وإن تكن مخالفة للقانون. وهكذا يجد المسؤولون أنفسهم، على اختلاف المواقع، وقد أوكل إليهم، بحكم الدستور والقوانين، أمر بعينه، وأوكل إليهم، بحكم الصيغة، أمر آخر لا يندر أن يناقض سابقه. فهم، من الجهة الأولى، مكلفون تطبيق القوانين أو الإلزام بتطبيقها – وهذا ناهيك بسنّها أو إقرارها، في حالة النواب – وهم، من الجهة الأخرى، مكلفون السعي إلى تعطيل هذه القوانين نفسها حيث يضر تطبيقها بمصالحهم أو بمصالح أشياعهم. وهذا حين لا يجدون أنفسهم ملزمين بحماية من يخالف القانون وحتى بحضّه على المخالفة.

لهذا كله شأن خطير بمتانة السلم الأهلي أو هشاشته، وإن يكن، على الأرجح، شأنا غير ظاهر. فإن ضمور الولاء للدولة وضعف الإقرار لسلطتها بالسمو عن السلطات الأهلية المتداخلة أو المتقابلة وما يتبع هذين الضمور والضعف من تراخ عن اللزوم الطوعي لحدّ القانون، إنما ينتهيان إلى إضعاف قدرة الدولة على ضبط تصاعد النزاعات في المجتمع، على اختلاف مصادرها، وإلى إضعاف حيلة الدولة في مزاولة التحكيم بين فئات المجتمع وسياسة ما يمر به من أزمات.

صيغة معطّلة

أمر أخير هو أن الدستور افترض، من يوم إقراره سنة 1926، أن على الصيغة أن تتجاوز نفسها. وهذا أيضا ما افترضه البيان الوزاري لحكومة الاستقلال، وهو المعدود أقرب النصوص المكتوبة إلى التعبير عن مضمون الميثاق الوطني. والافتراض نفسه أكده ووضع له آلية محددة اتفاق الطائف والتعديل الدستوري الذي تبع إقراره غداة الحرب الأخيرة، وقد ذكرنا هذا. وفي ركاب كل من الأزمات الثلاث الكبرى التي أفضت إلى هذه النصوص، كانت الصيغة تتخذ صورة معدلة تضرب عرض الحائط بالنص الدستوري وسرعان ما تستقر معاملتها على أنها أبدية، أي على أنها ضمانة أبدية للوضع القائم. ولما كانت موازين هذا الوضع القائم كلها، من ديمغرافية واجتماعية-اقتصادية وسياسية، عرضة لتغير مطّرد يفرضه النزول على أحكام الحياة والتاريخ، فإن التناقض ما بين الصيغة الثابتة والموازين المتحولة كان لا ينفك ينمو باطّراد، محيلا الصيغة، من جهة تكيفها بحركة المجتمع، إلى صيغة معطلة، لا أكثر ولا أقل.

...والتناقض المذكور ينمو اليوم أيضا شأنه أمس. وكان تعديل الصيغة لتوافق، بعض الموافقة، صورة الوضع الجديد، ينتظر مرّة حربا عالمية ومرة حربا أهلية-إقليمية. والظاهر أن التسابق الحاصل اليوم في ترسيخ الصيغة و في مدّ أذرعها إلى دوائر جديدة من المجتمع، عوض السعي إلى تجاوزها وفقا للدستور، إنما يدل على رهن معالجة التناقض المشار إليه بحصول شيء من القبيل نفسه: حرب خارجية تعبث أصابعها بالداخل، أو حرب داخلية ينوب أطرافها عن أطراف الخارج ويحدّون من كلفة يرتّبها التناطح المباشر بين هؤلاء.

لا مراء في أن النظام اللبناني ينطوي على روادع لاستبداد فئة من فئات المجتمع بغيرها استبدادا مطلقا. وهذا مع أنه لا يستبعد قدرا من الهيمنة أو من التسلط، بل هو يستبعد أيضا معالجة هذا أو تلك بوسائل السياسة. فهو إنما يزكي الدفاع عن التسلط أو الهيمنة بقوة السلاح عند اللزوم. وهو يستجرّ لحماية هذه أو ذاك أو لمقاومتهما أحلافا خارجية تستجرّ بدورها ما يقابلها وتفضي إلى رهن الاستقلال. هذا إلى كونه يسفر عن دولة رخوة الأوصال، هزيلة الحظ من ولاء مواطنيها، تتقاعس الجماعات المتعايشة فيها عن حمايتها وتنشط كثيرا في حماية نفسها منها ومن غيرها. حتى أن هذه الجماعات تتوصل إلى مجابهة الدول الجبارة – إذا لزم الأمر – وتنتصر عليها. وهي تتواجه، أيضا، في ما بينها، عند الحاجة، وهذه حاجة لها في منطق الصيغة مقام محفوظ. هذا ما كان أمس وهذا ما هو كائن اليوم. ولكن استبعاد الاستبداد الداخلي، بصور له عرفنا منها حولنا أمثلة مهولة، إنما يبقى مزية كبرى، وهي مؤكدة للنظام اللبناني، أو – إن اخترنا الدقة – للصيغة اللبنانية. فهل تكفي هذه المزية حتى يعدّ هذا النظام ديمقراطيا؟ وما دام مدار حديثنا على كفاءة الديمقراطية في حفظ السلام، فإننا متى طابقنا ما بين ردع الاستبداد والديمقراطية، مجيبين بالإيجاب عن سؤالنا اللبناني، كان علينا أن نخلص إلى أن صيغة الديمقراطية اللبنانية لا تدرأ المنازعة العنيفة بين ظهرانينا بل تبقيها احتمالا مفتوحا ولا تني تسوقنا نحوها. ثم إن هذه الصيغة نفسها لا تعزز حظوظ السلام في محيطنا الإقليمي بل تغري كثيرا بخلخلة الأمن فيه، عند اللزوم. ومهما تكن مرارة الإقرار بالأمر، فإن هذا الإغراء كان، حتى اليوم، داعيا لتسليم المحيط بدولة لبنانية هذا طرازها. وهو داع من بين دواع عدة معلومة. ومن نافلة القول أن اللبنانيين قدّموا – مرعيّين بصيغتهم الموصوفة بال"فذّة" – طليعة للضحايا في حالي التقاتل الداخلي والتنازع الإقليمي-الدولي كليهما.

المحشر

فما الذي يحصل كلما عمد أحدنا إلى تسليط نور الشمس على ظلمة هذا المحشر العويص بين استبعاد الاستبداد واستدراج الحرب الأهلية؟ والحرب الأهلية لا "تسبقها"، بالضرورة، "الصلاة على النبي" (فهذه " تسبق" تلاوة الفاتحة جماعة، ويجهر بها أيضا ردّا لعين الحاسد عن صنعة الخلاق العظيم أو تصبّرا على المكروه)، وإنما "يسبق" الحرب الأهلية عندنا انحلال السلطة العامة مقرونا بالفساد الهيكلي المعمم وتوزع المجتمع قطائع عصبية. فما الذي يحصل إذن حين ينبّه أحدنا إلى هذا؟ يحصل أن المحامين عن الصيغة يسمعون المجترئ على تعكير الغطيط المعمّم كلاما من محفوظاتهم، من بين درره أن "الديمقراطية لا تكون كاملة أبدا" وأن "المجتمعات التعددية موعودة بالقلاقل دائما"، فكيف بها إذا اتفق وجودها في إقليم شديد الاضطراب؟ ثم يصرفونك راشدا ويأوون إلى أفرشتهم مرة أخرى. ما نراه نحن هو أن الكلام الذي يستهين إلى هذه الدرجة بمحنة الحرب اللبنانية ويأبى أن يستفيد منها عبرة غير أن ننتظر أخريات من قبيلها ونحن مكتوفو العقل واليدين، لا يستحق إلا أن يستهان به. اجتازت سويسرا، من بعد سقوط نابليون، حروب أوروبا المتعاقبة وبينها حربان عالميتان، وبقيت تجمع السلم الداخلي إلى التعددية، تكللهما ديمقراطية لا تزال تجد متسعا لاستفتاء المواطنين في أساليب صناعة الأجبان. فإذا كانت سويسرا هي المريخ، في عين طموحنا (ونحن، مع ذلك، "سويسرا الشرق") فإن تركيا حفظت رأسها أيضا، عبر حربين عالميتين ذهبت أولاهما ب"ممالك" آل عثمان، وهذا مع ما في تركيا من أحناف وأكراد وعلويين ونصارى ويهود وخلافهم.. جلّلتهم إلى الآن علمانية الدولة وديمقراطية غير كاملة (والكمال لله) وسلم أهلي أمسى رجراجا، في العهد الأخير، ولكن اللبنانيين – بعد ما حلّ بهم – ما كانوا إلا ليجدوا كفايتهم في مثله. فإذا صح أن تركيا تعدّ دولة كبيرة، فإن الأردن يدخل ولبنان في فئة من الدول واحدة. وهو قد أفلح في درء الحرب الأهلية عن بنيه، أي عن شعب نصفه من عشائر البادية أصلا ونصفه الآخر من فلسطينيين عينهم على فلسطين، وكانت دولتهم تقاتل منظمات الثورة الفلسطينية لا غيرها. حصل ذلك والأردن يتوسط إقليما يحده جبروت إسرائيل وعين سوريا المحمرّة على الدوام و ديماغوجية مصر الناصرية وازدواج السياسة السعودية ونزوع البعث العراقي إلى بسط هيبة "المهيبين" من حكامه على من في الجوار. فما الذي عانيناه نحن من ضغوط تفوق هذه الضغوط؟ في كل حال، ليس لبنان سويسرا ولا تركيا ولا الأردن. ولم يكون عليه أن يكون دولة أخرى لينكب على المعضلة المتصلة من ماضيه إلى مستقبله؟

في الاستيراد والتصدير

هذا وينفع ما سبق من أمر لبنان في تدبّر مسألة أخرى أوفر عمومية، وقد منحتها الحالتان الأفغانية والعراقية راهنية جديدة، وهي مسألة تصدير الديمقراطية. نلمّ بهذه المسألة من جهة الصلة بينها وبين مسألة الديمقراطية والسلم الأهلي وما يتبعه وهي مناط كلامنا ههنا. وإذا كان للديمقراطية أن تصدّر فهي تصدّر لا بما هي ثقافة وطراز اجتماع – فهذا يطول انتظار المستورد لوصوله – بل بما هي نظام للحكم وقوانين. تصدّر هذه إلى بلاد يأبى المصدّرون العالميون أن ينظروا إلى خصائص البنى الأساسية لمجتمعاتها. والحال أن خصائص التشكيلات الأولية المكونة للمجتمع وكيفية معالجة العلاقات بينها وبين التشكيلات الثانوية التي تفترضها الديمقراطية وكيفية إنشاء هذه الأخيرة حيث لا توجد أصلا وكيفية توطيدها إنما هي المسألة الأولى التي تطرح على مجتمعات يطلب إليها أن تصبح ديمقراطية. هذه مسألة تتجاوز إلحاحا مسألة الإنماء وصلته بالديمقراطية. وهذا مع أهمية الإنماء، طبعا، بما هو سبيل – لا هو وحيد ولا هو مضمون – إلى تكوين قاعدة للديمقراطية. وما لا يصح تناسيه أن الديمقراطية تصدّر اليوم في ركاب الليبرالية الجديدة. وإذ تطيح هذه دولة الرعاية في أقطار لم تتوفر على "مجتمع مدني" منظم وموفور الموارد يحمل ما يخلّفه من أعباء انسحاب الدولة من الساحة الاجتماعية، يجد الضعفاء ( وبعض الأقوياء) أنفسهم كالمرميّ في اليمّ مكتوفا. فالحال أن تكوين الدولة في هذه الأقطار، لجهة بعده عن صفة دولة القانون، يعيل كثيرا من الناس ويوفر لهم نوعا من الأمان المكفول بالقانون حينا وبتراخي القانون وسهولة خرقه حينا آخر. فتفيد جمهر ة من الناس، في لبنان مثلا، من الضمانات الا جتماعية العادية وتفيد أيضا من التضخم في أجهزة الدولة والأمان شبه المطلق في الوظيفة والإعالة المموهة بدعم الإنتاج وتعويض الأضرار. ويفيد بعض هذه الجمهرة أيضا أو يفيد غيرها من الرشاوى أو الخوّات يقايضون بها نفوذا سياسيا أو إداريا تتفاوت درجاته وتتراكب. ويفيد آخرون من مزاولة المهن غير الشرعية أو من تخطي الشروط القانونية لمزاولة مهن أو أعمال أخرى.

هذا ويتصدر قطاع الجمعيات في بلادنا – مثلا أيضا – سرب كثيف من جمعيات محمولة على عاتق المجتمع التقليدي، فيها العائلي وفيها القروي وفيها الطائفي. وهذه تستمد حيويتها من استنفار المهاجر استنفارا غير بريء من الطائفية أبدا، ومن دعم دول قريبة وبعيدة يحركها المعيار الطائفي غالبا أيضا ومن مقايضة النافذين في الدولة اللبنانية دعما بدعم وهذا كله متصل ومتداخل. وهذا كله تهدده الليبرالية الجديدة ودولة القانون لأنه غير مستغن عن الحماية السياسية وعن صرف النفوذ. فحتى المغترب المتبرع لمدرسة خيرية يستحسن أن يكون أولياؤها نافذين ليبادلوه منّة بمنّة أو ليرتفع بارتفاع مقامهم شأن الطائفة السياسي في البلاد ويشتد أزر مؤسساتها. وأما الجمعيات العلمانية فعلا وما جرى مجراها من مؤسسات فلا تفلح في مجاراة شبيهاتها التقليدية عدة ولا عددا وتلفي نفسها، إلى هذا الحد أو ذاك، رهينة التمويل الأجنبي أو الدولي، وهذا حين لا تكون أجنبية التابعية صراحة. فهل أعدّت الليبرالية الجديدة، وهي تلبس لبوس دولة القانون و تنبذ دولة الرعاية، عدّة ما لمعالجة هذه الحال، بما فيها من بؤس يبرز في لبوس الأمان.. عدّة تعتدّ بها لحفظ السلام الأهلي وما يتعلق به حيث تحط رحالها؟ أم أنها ستكتفي بالنظر الشزر إلى المرتشين العاطلين عن العمل والمرضى المطرودين من جنة الضمان الصحي والتلامذة المقذوفين إلى خارج المدارس وإلى الأسر المحرومة الإفادة من ماء الدولة وكهربائها بلا مقابل وإلى مزارعي التبغ وقد حجب عنهم دعم الدولة المالي؟ هل ستسرّح الليبرالية الجديدة نظرها الشزر في هذا الجراد المنتشر ثم تأمر دولة القانون الجديدة بإلقاء القبض على كل إرهابي فيه متنكر في إهاب جرادة؟ هل ستترك المتطفلين على المجتمع من مواقع الدولة وعلى الدولة من مواقع المجتمع يتطفلون على المجتمع من مواقع المجتمع (وهذه هي سنّة المافيات) ليعودوا من هناك إلى محاصرة الدولة؟ أم هي ستترك حقا في النظر إلى دواعي السلام الأهلي ومهلة لتدبرها لمن تأمرهم بالبصم على صادراتها من صنف القوانين الجاهزة؟

ليس معنى كلامنا هذا أن الديمقراطية يسعها أن تنشأ من غير قوانين ولا مؤسسات ولا أن كفالة الحريات بالقانون والحد من الاستبداد بقوة التشريع شأن تصح الاستهانة به. ما نقوله هو أن استتباب ديمقراطية فعلية تحفظ السلم الأهلي وما يليه أو يتصل به (بما في ذلك الديمقراطية نفسها) إنما هو شأن آخر لا تستنفده أحكام القانون ولا يصدّر أو يستورد وإن كانت تسعفه كثيرا، في المدى الزمني الملائم، صلات ملائمة بالمحيط وبالعالم. استورد لنا الفرنسيون، سنة 1926، دستورا لا يسع المتأمل المنصف إلا أن يحيي إعراقه في الديمقراطية. استوردوه لنا من فرنسا ومن بلجيكا ومن مصر. وما سبق عرضه بيان لما فعلناه بهذا الدستور في 77 سنة. فكان – لعوامل نحمل جلّ تبعتها – أننا لم نحصل على كثير من الديمقراطية ولا على كثير من السلام. وكان – وهذا هو الأهم اليوم – أننا لم نضمن مزيدا من السلام ومن الديمقراطية للغد.

*****

ليس لي بلاد غير هذه البلاد ولا أحفظ ولاء لغيرها. وإذ أجد نفسي أقلّ ولاء بكثير لما يسمى الصيغة اللبنانية من الرئيس محمد خاتمي، فإن هذا يملأ نفسي غمّا. على أن الغمّ لا يحملني على الاعتذار.

بيروت في أول حزيران 2003

كلمة ألقيت في مؤتمر الديمقراطية والسلام الذي نظمته لجنة الأونيسكو الدولية للديمقراطية والتنمية وشعبة الفلسفة والعلوم الإنسانية في الأونيسكو (باريس) والمركز الدولي لعلوم الإنسان (جبيل)، وذلك في بيروت يومي الثاني والثالث من حزيران 2003

La Liban maintenant et demain
Point de vue d'un groupe d'intellectuels libanais

Un an après sa publication, ce texte n'a strictement rien perdu de son actualité ni de la justesse de son analyse. Il représente aujourd'hui et pour longtemps encore un véritable "programme minimum" du changement.

لبنان الآن وغدا
وجهة نظر جماعة من المثقفين اللبنانيين


مفاعيل جريمة

ما تزال بلادنا تشهد، فصلا بعد فصل، عواقب الجريمة السياسية الكبرى التي أودت بركن من أركان الحياة السياسية اللبنانية في العقدين المنصرمين هو الرئيس رفيق الحريري وغيبت معه جماعة من مرافقيه ومن سائر المواطنين الآمنين. وهي قد أصابت أيضا مواطنين كثرا في أجسادهم أو في مساكنهم وأرزاقهم وأنزلت أضرارا في منشآت ومصالح كثيرة. ثم إنها نشرت مفاعيلها السامة إلى وجوه مختلفة من حياة المواطنين العادية وإلى ما تستقيم به هذه الحياة من أمن وعمل منتظم لمرافق المجتمع والدولة، على اختلافها.
في ما يتعدى ذلك كله، أشرعت الجريمة البلاد لرياح أزمة سياسية بالغة الخطورة كانت نذرها تتجمع من مدة طويلة وكانت لفحاتها الأولى قد هبت علينا بقوة في غضون الأشهر القليلة السابقة. وهي أزمة واجهتها، بالنزول إلى الشوارع والساحات، كثرة من اللبنانيين تنوعت مناشئها ومشاربها إلى حد خلت ذاكرة لبنان المستقل من نظير له. نزلت هذه الكثرة لترسم بشعاراتها الغالبة معالم تراها لمستقبل البلاد، معلنة حقها في حمل المسؤولية عن مصيرها بعد نزعها من أيدي الاستبداد والفساد التي طال عبثها بمقدرات الدولة وبحقوق اللبنانيين كافة.
كان من أمر هذه الجناية الفادحة، بادئ ذي بدء، أنها دفعت بمئات الألوف من اللبنانيين إلى قلب بيروت في موكب تشييع حزين وناقم لم تشهد له عاصمتنا مثيلا، على كثرة ما حفظت ذاكرتها من مواكب. وقد تلازم في الأصوات العالية المتجاوبة بين جنبات هذا الموكب وفي ما أسفر عنه من أعمال التظاهر والاعتصام مطلبان: أولهما جلاء حقيقة الجريمة من غير مماطلة ولا نقص ولا تحوير، ليترتب على هذا الأمر مقتضاه على كل صعيد؛ وثانيهما رفع يد الهيمنة السورية عن الدولة والبلاد. ولقد أفضى ضغط التظاهر والاعتصام، من بين ما أفضى إليه، إلى سقوط الحكومة في الشارع.
وكان من أمر الجناية نفسها، أيضا، أنها قوّت ووسعت إلى حد لم يسبق له مثيل، هو الآخر، مفاعيل الحملة الدولية الرامية إلى فرض انسحاب القوات السورية من لبنان وإنهاء هيمنة النظام السوري عليه. وهي حملة كانت قد بلغت، قبل مدة غير قصيرة، محطة أميركية تمثلت في استصدار القانون المسمى بـ"محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان". ثم بلغت ذروة جديدة في عشية التمديد المفروض فرضا لرئيس الجمهورية الحالي مع اتخاذ مجلس الأمن الدولي القرار 1559، مبنيا على مبادرة أميركية فرنسية. فآذن ذلك، على الأخص، بدخول أوروبي جامع صحبته أيضا أصوات عربية عديدة وصريحة، إلى حلبة المطالبة بانسحاب القوات السورية من بلادنا. وقد شفع القرار الدولي هذا المطلب بآخر موضوعه نزع سلاح المليشيات اللبنانية (ويقصد حزب الله) وغير اللبنانية (ويقصد الفلسطينية). ثم كانت جريمة الاغتيال مناسبة لاتخاذ هذه الحملة صفة الإلحاح وما يشبه الإنذار المتكرر للنظام السوري بلزوم الامتثال. واضطلعت بذلك أصوات قوية متآزرة هي جملة الأصوات الدولية ذات الأثر في مجريات الصراع الدائر على ساحات المنطقة العربية.
وكان من جرّاء هذا كله أن أصبح انسحاب القوات السورية وجهاز استخباراتها من بلادنا أمرا جاريا تنفيذه.

أن نصبح دولة مستقلة

وليس عندنا من ريب في أن الحملة الدولية التي شدّت من أزر الحركة الشعبية اللبنانية وحمَتها وحمَلتها على التشدد في صوغ مطلبيها الآنفي الذكر، لا تستنفد غاياتها السياسية في ما يعلنه أصحابها من مطالب تتصل برفع يد الهيمنة السورية عن لبنان وبسيادة الدولة اللبنانية. وإنما هي حملة تفيض مراميها كثيرا عن النطاق اللبناني. هذه المرامي تختلف، من جهة أولى، باختلاف الأطراف المجتمعة في الحملة. غير أن مدارها الأوثق، من جهة أخرى، إنما هو رغبة الولايات المتحدة، وهي في أوج رعايتها لمصالح إسرائيل ومطامحها، في بسط سلطانها الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي على هذه المنطقة من العالم، وهو ما يبدو تقزيم القوى الإقليمية وزعزعة "استقرارها" أو مواتها الدهري، بالأحرى، وسيلة راهنة بين وسائله.
إن ما نبتغي التشديد عليه، ونحن نستعيد هذا التشخيص (الشائع، في كل حال) لدواعي الحملة الدولية، هو أن الدفاع عن خيار آخر (معارض، كليا أو جزئيا، لوجهة التدخل الدولي الجاري) لا يستقيم مع الإصرار على هدر استقلال البلاد وإيداعها "ورقة" في خزانة سلطان مفلس ولا مع إباحتها لجراثيم الفساد المافيوي، على كل مستوى، أو مع ترك موازينها نهبا لفرق الاغتيال السياسي. بل إن اللبنانيين سيعجزون عن مساندة القريب أو البعيد على استعادة حق أو حرية ما لم يكونوا هم أنفسهم أحرارا واقفين عند حقوقهم. لذا كان السؤال الذي يطرح في مواجهة هيمنة مقبلة تنذر بالحلول محل الراحلة إنما هو "كيف نصبح دولة مستقلة؟" وليس هو بحال "كيف نبقى أرضا وشعبا مباحين؟"

حقوق لسوريا، حقوق للسوريين

لا نبيح لأنفسنا الغفلة عن مصالح سوريا الوطنية ولا عن دور مؤكد في دعمها يمليه على الدولة والشعب اللبنانيين جوار وتاريخ ووشائج لا تحصى. فهذه، في نهاية المطاف (وفي بدايته أيضا)، حقوق السوريين لا حقوق النظام السوري. على أن هذا التسليم لا يحول بيننا وبين تعيين الصورة الواجبة لما يترتب علينا الآن، نحن وأمثالنا من عامة اللبنانيين، دعما لسوريا. هذه الصورة نراها مجسمة، بادئ ذي بدء، في دعم الحركة الديمقراطية السورية. نراها مجسمة في مؤازرة الجهود التي يبذلها سوريون صمموا على التصدي لأسباب التهافت والخسارة في موقف نظام يطلب حقوق سوريا الوطنية وهمّه، قبلها، غلّ أيدي السوريين وكمّ أفواههم... نظام يحوّل عرق السوريين إلى أتاوات يجنيها لزبانيته التي لم تشبعها سوريا ولا كان أشبعها لبنان. ولقد ضرب لنا مثقفون سوريون مثالاً لصورة الدعم تلك حين تبنوا، في غمرة كفاحهم الصعب وظروفهم المرة، حق شعبنا ودولتنا في وجه نظامهم. هذا بينما أساء إلى كل لبناني من تعرضوا بالقتل والأذى لسوريين قصدوا بلادنا لكسب اللقمة، على غرار ما يتوزع أبناؤنا في مشارق الأرض ومغاربها وراء الغاية نفسها. فنحن ننظر إلى المناضلين من السوريين وإلى من أجرم من اللبنانيين ونعتبر. وهذه العبرة ترسم نظام قيمنا كله وخط سلوكنا كله في هذا الظرف الذي تجتازه بلادنا وفي كل ظرف آخر

مبارزة

من خارج هذا المنطق، خرجت، يوم الثامن من آذار، محفوزة بتصميم معلن على إثبات التفوق في الشارع وكسر احتكاره، جموع أخرى غفيرة من اللبنانيين تصدرها حزب الله وتنظيمات أخرى مجارية لسياسة النظام السوري في لبنان. خرجت لتشدد على الجانب الثاني من أبعاد الأزمة، أي على احتمال إفضاء التدخل الدولي إلى تغيير الموقع اللبناني من الصراع العربي الإسرائيلي وعلى مطالبة الدول المتدخلة لبنان بالعدول عن خيار المقاومة المسلحة. وقد أعرب الخطباء في هذه الجموع عن الشكر للدور الذي أدته سوريا في لبنان على مدى ثلاثة عقود، رافضين رفضا قاطعا ما يخص الجانب اللبناني من القرار 1559 ، وهذا في الأيام التي كانت فيها الدولة السورية تعلن التزامها إياه وتباشر سحب قواتها من لبنان بموجبه. أخيرا، شفعت القوى المتظاهرة في ساحة رياض الصلح هذا كله بطلب الحوار مع المعارضة وبتبني الإصرار الجامع على كشف الحقائق المتصلة باغتيال رفيق الحريري، ولكن من غير تلبّثٍ عند مطلب المعارضة المتعلق بشروط نزاهة التحقيق وفاعليته.
ثم كان أن احتشدت في وسط بيروت، مع مرور شهر على جريمة الاغتيال، جماهير هائلة الأعداد تقاطرت من أرجاء البلاد، لم يغب عن تلبيتها دعوة القوى المعارضة همُّ التفوق العددي على حشد الثامن من آذار والعودة، بالتالي، إلى فرض موقف المعارضة الإجمالي على أنه موقف الأكثرية من اللبنانيين. وهذا لا في وجه جماهير القوى الموسومة بالـ"الموالاة" فحسب، بل أيضا في وجه حيازة هذه القوى أكثرية في مجلس النواب موروثة من عهد أخذ ينقضي، ومع هذه الأكثرية، بطبيعة الحال، سيطرة على أجهزة أمنية وقضائية اتصف سلوكها تكرارا بالجنوح عن أصول عملها وبالتجاوز السياسي لحدود القوانين.
ولقد كان للمعارضة ما أرادت لجهة ضخامة الحشد. ولكن هذا لم يبطل (ولا يجوز الظن أنه أبطل) انتشار حال من الشقاق السياسي ـ الأهلي في طول البلاد وعرضها. وهي حال لم يمنع التنوع الطائفي (والاجتماعي) على ضفتيها ـ تنوعا كان أظهر على ضفة المعارضة منه على الضفة الأخرى ـ أن تنسب إلى هويات طائفية متواجهة... هوياتٍ تنزع المواجهة بينها إلى تعديل الموازين الطائفية المنصوبة في البلاد منذ نهاية الحرب.

الترجمة الفورية

هذا تشخيص يتعظ بالميل الثابت لصيغة النظام الطائفي نحو "ترجمة فورية" لكل أزمة سياسية إلى تباشير خلل في الميزان الطائفي وإلى استنفار طائفة أو طوائف، بالتالي، في وجه طائفة أو طوائف أخرى. ففي بلادنا هذه، لا نخرج عادة من أزمة ما بكتلة سياسية تقوى ونسلّم بتفوّقها وبأخرى تضعف ونتقبل تهالكها. وإنما نخرج، في ما وراء المواجهة بين الكتل السياسية، بطائفة أو طوائف تقوى وبأخرى تضعف. وهو ما يجعل الغنم والغرم يشملان سواء بسواء من ينتمي من أبناء طائفة معنية إلى قوة سياسية رابحة أو خاسرة ومن لا ينتمي إلى القوة المذكورة، بأي وجه، بل أيضا من يناصبها العداء. فيفضي تحول الدولة من موقف إلى آخر في الصراع الإقليمي، مثلا، إلى تهديد ما في يد هذه الطائفة وتعزيز ما في يد تلك لا من الحقوق فقط بل أيضا من القدرة على تجاوز الحقوق والتمتع بثمار الباطل. ويفضي هذا كله إلى استنفار جموع الطائفة خلف من ترى فيه ـ دون القوانين ـ حاميا للحق وترى فيه، من وجه آخر، حاميا للباطل.
تلك قدرة على الاستنفار عززتها الحرب وعشاياها ونشرتها إلى طوائف كانت فقيرة إليها في عهود مضت. فأصبحت للطوائف كافة أجهزة متنوعة، سياسية واجتماعية (ناهيك بما صمد من الأجهزة العسكرية). وضعت هذه الأجهزة يدها على مصالح حيوية للمواطنين وتولت إدارتها وغلّبت توزُّعَهم طوائف على كل توزّع آخر وتوزعَتهم كسورا من طوائف. فتعممت مصادرتها المواطنين في حقوقهم الفردية والجماعية، سواء بسواء. وحصرت بينها حقهم في اختيار انتماءاتهم، على أنواعها، إلى حد لم يعرفه لبنان ما قبل الحرب. واتحد في فرض حصرية الولاء وفرض تلبية النداء وسائل للدولة صادرها ساسة الطوائف وأخرى قدّمها الأقوياء في الجماعات المشحونة بتوتر الهويات وثالثة أغدقها حلفاء أو ولاة أمور من الخارج. فباتت الجماهير الطائفية الغفيرة تدعى فتنصاع، وبات "تجييرها" في الانتخابات أو ضبطها في جهة من الصراع السياسي ثم نقلها من جهة إلى جهة ـ متى قضى بذلك تقدير القيادة ـ أمورا ميسورة على نطاق لم تعرفه البلاد من قبل.
فوق ذلك، بلغ النظام الطائفي "ذرى" جديدة في تعطيله فاعلية المحاسبة الديمقراطية وتوزيعه الحماية على "مراجع" سياسية أدرجتها الحرب في شركة طائفية جديدة ـ قديمة، جمعت بين توازن الأطراف وتنافسها. استبعدت المحاسبة على الفساد التفصيلي الذي طغى واستشرى، إذ نظر إليها على أنها إخلال بمكانة "مرجع" ما ومن ثمّ بحصانة طائفة ما. وضخّم إنفاق الدولة وهدر المال العام أنصبةً متناظرة، يغلّب في توزيعها لا منطق المصلحة العامة وأولوياته ولا النظر إلى الضيق المطبق على إمكانات الدولة، بل منطق "الحقوق" المتقابلة للطوائف. وهي حقوق تختزل بدورها إلى حاجات "المراجع" نفسها من سياسية وشخصية. وأبيح رهن سيادة الدولة واختصاصاتها الأصيلة لأمر الخارج. رهنت السيادة والاختصاصات على صورة الـ"أنصبة" الطائفية أيضا، عند "مرابين" وملتزمي تنظيمات أو كسور من طوائف، تتواءم مصالحهم أو تتنازع، على أرض البلاد. ويبقى ماثلا في الأفق أن السلم الأهلي رهينة لهذين التواؤم والتنازع ولدرجات تحكّم الخارج في محاسيبه اللبنانيين.
وفي الأزمة الجارية، لم تخل الهواجس الطائفية من إقلاق لعلاقة التحالف المنسوجة بين القوى على كل من ضفتي المسرح السياسي المنصوب اليوم. وقد ظهر القلق على ضفة المعارضة خصوصا، تبعا لكون توسعها إلى المدى الذي بلغته حديث الحصول، حفزته ظروف التمديد لرئيس الجمهورية ثم الجريمة التي أودت برفيق الحريري. وهو توسع انتهى ببعض من القوى الطائفية إلى تغيير باغتها قبل أن يباغت سواها في قاموس ألفاظها السياسية وفي الموروث من مسلّمات مواقفها العامة.
غير أن هذا التشخيص الطائفي تحدّ من مطابقته واقع الحال، حتى الآن، لهجة الاعتدال الإجمالي التي سادت المواجهة، جازمة باستبعاد العنف وبإظهار الاعتبار من كل من الجهتين لقوى الجهة الأخرى أو لأهمها، في الأقل، ومصرة على استبقاء الأيدي ممدودة للحوار، وهذا من غير أن يظهر تغيير ذو مؤدى عملي في صياغة الموقفين المتقابلين. يحدّ من صحة التشخيص الطائفي أيضا حضور تيار شبابي ديمقراطي فعلا في الحركة الشعبية التي تتصدرها قوى المعارضة، وكذلك مشروعية طموح الاستقلاليين إلى اعتبار الاستقلال مطلبا جامعا، وإن لم يتجل الإجماع عليه، حتى تاريخه، في صيغة سياسية ملموسة.
التشخيص الطائفي عينه يمكن أن تزداد أسانيده قوة إذا اشتد التوتر وطال أمره. بل إن التوتر يمكن أن يؤثر أيضا في الميزان الطائفي على كل من الضفتين في اتجاه اختصاره وتظهير صورته، أي، بالنتيجة، في اتجاه الزيادة في خطورة المواجهة والانتقال بها إلى طور تعصى عواقبه على الضبط وتتخذ صورة الكارثة الوطنية. وهذا انتقال قد يعجل فيه ما يتوجس منه الناس، في ظرف الأزمة المستحكمة، من انهيار غير مستبعد للنقد الوطني وتزعزع لوضع الدولة المالي ومن تماد لحالة الجنوح أو القصور في المسؤولية السياسية والوظيفية عن الأمن. وذاك أن الانهيار الأول ينقل الأزمة من صعيد إلى صعيد، قبل أن تنتهي إلى مخرج، وأن الجنوح والقصور الأخيرين يتركان باب التخريب مفتوحا على مصراعيه

الحقيقة شأن سياسي

فلنعد، بعد هذا، إلى مطلبي الحركة الشعبية التي أطلقها اغتيال رفيق الحريري. ليس المطلب الأول، أي جلاء وقائع الحدث وغاياته وهويات الآمرين والمخططين والمنفذين، بالمطلب المقصور على إحقاق حقوق شخصية أصيلة ترعاها الشرائع كلها، وهي حقوق الضحايا. وإنما هو، في ما وراء ذلك، مطلب سياسي من الطراز الأول. فهو يعلن أن شعبا قد شهد من جرائم الاغتيال السياسي ما شهده في نحو من ثلاثين سنة قد طفح كيله من هندسة حياته السياسية بأفعال القتل. وهو يعبّر عن إدراك لكون الاغتيال السياسي يكون، في بعض حالاته (وهو قد كان يقينا في حالته الأخيرة هذه) عدوانا على شعب برمّته أو نوعا من الحرب الأهلية المختصرة، ولو ارتكبته يد خارجية. فيبتغي تعديل موازين البلاد السياسية بأكملها أو يرمي إلى تجميد مسيرتها الإجمالية أو إلى تحوير محصلات الصراع السياسي فيها من طريق الفتك بإنسان واحد.

هندسة المسرح وأصول التمثيل

ولقد بقيت اليد الطولى في الشؤون اللبنانية متصلة، طوال أعوام ما بعد الحرب، بذراع الحضور العسكري السوري. وأصبحت هذه اليد متفرعة إلى أصابع لأجهزة سورية ولبنانية مؤتلفة ومتداخلة ومتوجة برؤوس سياسية مرعية المواقع والحرمات ومعروفة العناوين. ثم تطاولت عبر سنين من السعي الدائب فغدت لا تعف عن مستوى من مستويات الحياة اللبنانية، أيا يكن. فهي تدير في بلادنا شبكات من السياسيين وتلعب بالموازين بينهم لإدامة الضبط والولاء. وهي تدير شبكات أخرى للمراقبة والردع والقمع بما يتجاوز القانون أو يسخّره، لا يستثنى من بين أدواتها بعض القضاء. وهي تدير شبكات ثالثة إدارية ورابعة إعلامية وثقافية وخامسة مالية واقتصادية. وهي تصل من المجتمع إلى تضاعيف كبيرة أو صغيرة من نسيج طوائف وعشائر وعائلات وتُداخِل مواقع التأثير في أحزاب ونقابات وجمعيات من كل نوع.
فكان أن أفضت هذه الهيمنة إلى هندسة مجددة للمسرح السياسي اللبناني بمعظم عناصره، متخذة الموازين الطائفية والموازين بين كسور الطوائف وسيلة سياسية لإرساء قواعد لنفسها. وكانت القاعدتان المرعيتان بمنتهى الحرص والحزم أ ـ إبقاء شرعية التمثيل المسيحي مطعونا فيها من جهة المسيحيين بإقصاء بعض من أبرز قادتهم السياسيين عن الساحة و ب ـ الحؤول دون نشوء أحلاف بين قوى مسيحية وأخرى إسلامية معتبرة التمثيل.

حق الاختيار

وقد تآزر في توطيد هاتين القاعدتين وغيرهما الخوف والمنفعة واللعب بالقوانين، وبخاصة قوانين الانتخابات، وبالتحالفات الانتخابية وبعمل مؤسسات الدولة وإداراتها وبمؤسسات مختلفة في القطاع الخاص. أي أن الإرهاب المتعدد الوسائط اقترن بتوزيع مغانم الفساد بأصنافه كافة. فباتت شبكة الهيمنة، بخيوطها الغليظة والدقيقة، تنتهي إلى تجميد جسيم لمفاعيل القانون: من كفالة للحقوق ومن زجر لهدرها وللعدوان عليها. فيصبح الولاء والرضوخ والامتثال والصمت، ناهيك بتقبل السخرة السياسية وبدفع المال إذا وجد، أثمانا يؤديها المواطن كلما عرضت له حاجة يريد قضاءها، بل كلما خشي أن تعرض له حاجة في مقبل الأيام. وتصبح هذه الأثمان كلها محتملة جدا لنيل الحق ومحتملة أيضا لنيل الباطل، على ما سلف، حيث يكون موضوع شهوة.
في هذه البيئة الرهيبة كان يحكى عن انتخابات "حرة" تجري... نيابية وبلدية ونقابية وغير ذلك. وكان المختصون يستغرقون في مناقشة مخالفات تحصل أو لا تحصل، في أيام الموسم الانتخابي، ويفرغون جهدهم في بحث تفاصيل القانون أو النظام. هذا بينما كانت حرية الاختيار مصادرة سلفا، على نطاق بالغ الاتساع. فكان من يحمل مفاتيح الجنة ومفاتيح النار يعرف أن الأكثرين من المرشحين يتنافسون على مرضاته، أوّلا. وكان يعول على أنه حيث يوجد من يغاضبه أو من لا يأبه لأوامره ونواهيه فإن الناخبين سيميزون من تلقاء أنفسهم بين من يملك لهم كل الضرّ وكل النفع ومن ليس في يده من الأمر شيء.
وإذا كانت هذه الشبكة المعقدة قد انبسطت على دولتنا ومجتمعنا انبساطا لم يعوزه الاستقرار، مدة ما بعد الحرب، وداخلتهما مداخلة لم تخل من الإحكام، فإن حصر المنافع الكبرى في رؤوس الشبكات وتوزيع الفتات على جماعات واسعة من اللبنانيين ثم الشح الذي أصاب الدولة الموغلة في أزمتها المالية كانت تترجم كلها تجريدا للبنانيين، جملة، من حقوقهم المفروضة لهم بالقانون وتعليقا لمصير وجوه كثيرة من حياتهم وحرياتهم وأعمالهم ومصالحهم على الامتثال لأوامر الشبكة ونواهيها. وهذا في مناخ من الإذلال نال من المواطنين الضعاف ولم ينج منه الزعماء المستقوون بسلطان مثقل بمنن الجوار وشروطه الباهظة.

الغيظ والانطلاقة

هذا إلى أن منطق الأولويات الذي فرضته الهيمنة ورضخ له شركاؤها اللبنانيون كان ينحرف بسياسة الدولة العامة إلى وجهات مريبة... وجهات تحمل البلاد على مراكب سياسية خطرة وتزج في الهوامش من سياسة الدولة الاجتماعية ما يتصل بمستقبل الأجيال الطالعة، بخاصة. فيتفاقم ثقل نفقات الدولة ويرزح الدين العام المتسارع النمو على كاهل اللبنانيين منذرا بانهيار لا يبعد شبحه تأجيل حصوله، سنة بعد سنة. بل إن الإجراءات الميسـِّرة لهذا التأجيل تتعثر هي نفسها بفعل هواجس الوصاية المتحكمة بموازين السياسة الداخلية وخوفها من تنامي أدوار خارجية أخرى في البلاد تسفر عنه المعالجات المعروضة.
فكان أن بقيت معدلات الهجرة، بعد الحرب، على ما كانته في أعوام الحرب السوداء، مع ضيق متزايد في آفاق الهجرة نفسها يؤرق الشبان والشابات في هذه البلاد ويحير الأسر.
فإنما هو الغيظ من القهر ـ القهر الطائفي وغيره ـ ومن الاستباحة... وإنما هو الرفض لتمادي الأسْر في الخوف والرغبة في تحرير القدرة على معالجة معضلات المستقبل ما حمل هذه الأمواج البشرية على التدفق نحو وسط بيروت، في يوم الحريري المشهود، ثم لم ينقطع سيلها وغلب عليها عنصر الشباب في ما تلاه من أيام. ومع أن المنظمات الشبابية المتفرعة من التنظيمات والتيارات السياسية قد بقيت محتلة صدارة التظاهرات والمبادرات، فإن جمهورا كبيرا من الشبان والشابات جعل من هذه الحركة مجالا بكرا له للمشاركة في حمل الهم العام وللإقدام على الفعل السياسي، معبـّرا، على مدى الحركة، بأساليب وطقوس مميزة، عن أصالة تطلعاته. هذا الجمهور يدخل الميدان السياسي متخففا من أثقال سياسات حزبية وأساليب في العمل كانت الحرب قد غلّبت عليها الصفة الطائفية وطبعتها بطابع من العنف الأهلي ما تزال تحمل بقاياه وما يترتب عليها من نوازع. فهو، من هذه الجهة، أمل يتعين على سائر المعنيين بمصير ديمقراطي للبنان أن يتبينوا ملامحه وشروط نموه وأن يعضدوه ويدافعوا عنه

لنتجادل في رفيق الحريري

أتاحت الفجيعة الوطنية برفيق الحريري هذا كله مع أن الرجل لم يكن بعيدا عن سياسات الحكم، بعد الحرب، وإنما كان في قلبها. فإذا جاز الحساب السياسي على لبناني عما آلت إليه أحوال الدولة اللبنانية، بعد الحرب، فإن رفيق الحريري، لو بقي بيننا، لكان بين من كان يتوجب سؤالهم عما فعلوا وعما امتنع عليهم فعله. ولكن الرجل، بما قيض له من إمكانات شخصية وبما نسجه من علاقات في المجالين العربي والدولي وبما أبداه من عناية بارزة بمستقبل عشرات الآلاف من الشباب وبما اقترن باسمه من أعمال البناء والخدمة، بعد الحرب، كان قد استوى، فيما وراء الجدل المتمادي الذي استثاره مشروعه وأساليبه، فريقا سياسيا تام الأهلية، غير مدين بمكانته ولا بمعظمها لسلطان الوصاية. وهو لم يكن قد توانى عن مسايرة هذا السلطان ومداورته ومعاونته في المجال الدولي. ولكنه كان ذا مشروع سياسي وإعماري للبنان، مفتوح على توازنات المنطقة والعالم، متنوع الموارد والآفاق، غير محصور، بالتالي، بمنطق حاجات يفرضها وصي أخذ، في الأعوام الأخيرة، يزداد هلعا من خسارة "ورقته اللبنانية" ومن نزوعها إلى الانزلاق من يده.
وقد كان اللبنانيون مختلفي المواقف من رفيق الحريري، رجل السياسة والحكم، في حياته، دائبين على المجادلة في حصاد تجربته في الحكم وأسلوبه في الإعمار ومرامي علاقاته ومغازي تصرفاته وآفاق توجهاته. وكان هذا الجدل شاهدا على أهمية الدور وفاعليته وعلى أن الرجل لم يكن ممن يردعون الجدل بإرهاب المجادلين. هذا الجدل يحتاج اللبنانيون، أمسّ الاحتياج، إلى مواصلته ليحسنوا قراءة تجربتهم، مجتمعا ودولة، في عشرين سنة فاصلة من تاريخهم المعاصر.

من الساحة إلى الورقة

وقد ذكرنا هلع الوصي من خسارة الورقة. وكان لبنان الذي سمي "ساحة"، في أعوام الحرب، قد أخذ يسمى "ورقة" في أيام السعي إلى تسوية للنزاع العربي الإسرائيلي. وهذه سنّة لا تزال جارية، في عرف الوصي وفي عرف البعض من ساستنا، حتى الساعة. ومؤداها فهم التضامن بين الدولتين السورية واللبنانية على أنه سياسة إقليمية ترسم في دمشق حصرا ويجوز فيها من الجهة السورية ما يعتبر مناسبا من التنازلات ولا يجوز فيها من الجهة اللبنانية غير تنفيذ التكليفات وتحمل التبعات.

شيء من توبة، شيء من ذاكرة

نقف نحن اللبنانيين اليوم ـ أي بعد ما استثاره اغتيال رفيق الحريري من غضب في ساحاتنا وعبْر العالم ـ على أهبة للخروج من هذه الحقبة المهينة ويبدو أملنا في كسب الولاية على أنفسنا قريبا من متناول اليد. إن للبنان اليوم أن يعدّ نفسه موعودا بالاستواء دولة مستقلة. ولكن الشرط الأول لنجاز هذا الوعد هو أن يحمله جمهور اللبنانيين الأوسع على محمل الصدق وأن يرتبوا له مقتضاه. وأولى الخطى إلى تحقيق هذا الشرط أن تكفّ الطبقة السياسية اللبنانية عن التفاخر والتنافر في شأن سيادة الدولة اللبنانية على بلادها أرضا وشعبا ومؤسسات. وهذا موقف يحتاج اتخاذه شيئا من ذاكرة وشيئا من توبة.
وتفيد الذاكرة أن الأكثرين من هؤلاء السادة لم يصونوا عفتهم عن بيع السيادة تلك بثمن ما، طائفي أو شخصي أو غير ذلك، إن لم يكن في هذا الظرف ففي ذاك وإن لم يكن لسيد يبدو الآن على أهبة الرحيل فلسيد مضى على رحيله أمد ولعله تراوده شهوة العودة. لذا لم تكن السيادة مادة صالحة، تاريخيا، لمحاسبة الساسة اللبنانيين بعضهم بعضا (في هذه اللحظة أو في سواها). بل هي قد لا تكون مادة صالحة لمحاسبة جمهور اللبنانيين ساسته. ليس لجمهور اللبنانيين أن يدعي لنفسه البراءة من دم السيادة هذه، ولا يكون إلا تدليسا منا عليه أن ندعيها له. وما نرانا (ونحن منه) نخشى عليه وعلى أنفسنا شرا من نقد النفس بل نخشى عليه (ونحن منه) من ندرة النقد أو غيبته.
وأما التوبة فمؤداها اجتراح لقاء وطني حول فرصة اليوم ونحو أفق الغد. لا يجترح اليوم شعب بريء من أوزار تاريخه ولا تجترح اليوم طبقة سياسية جديدة. الشعب باق اليوم وغدا والطبقة السياسية يفترض أن تثبت أو تتحول في صناديق الانتخابات، إن لم يكن قريبها فالبعيد. ولكن يجترح اليوم لقاء وطني حول فرصة الدولة المستقلة.
ومؤدى هذا عمليا أن يقرّ "الموالون" بأن مرابطة قوات النظام السوري في البلاد ومعها مكاتب استخباراتها وعُدد تدخـّلها في نسيج السياسة والاجتماع اللبنانيين قد بلغت ختامها وأن يبنوا على هذه الواقعة وليس على وهم مناطحتها ولا على ما هو أدنى منها. فهذه واقعة لم تنشأ ضرورة البناء عليها من مفاعيل الحملة الدولية وحدها على رغم الوطأة الحاسمة لهذه المفاعيل. وإنما جاءت مسندة إلى كون أي جيش ترفض بقاءه في بلاد ما مثل هذه النسبة وهذه المروحة من أهل البلاد يمسي عاجزا عن مواصلة العسكرة السلمية فيها ولا يبقى أمامه غير أن يرحل.
ومؤدى التذكر والتوبة، من جهة "المعارضين"، أن يقرّوا بعجزهم الكلي عن الانفراد بحكم البلاد حكما مستقرا تستقيم به أمورها ولا يجعل "الدولة المستقلة"، ما إن تولد، أثرا بعد عين. فهذه البلاد كان ولا يزال وسيبقى فيها قوى وازنة ترى في المحيط العربي (فضلا عن تمسكها بسوية للعلاقات اللبنانية السورية تحلـّها في مقام الثابت الوطني) قطبا لا بديل منه لمواجهة مساع للهيمنة ـ تمثلها الولايات المتحدة اليوم ومثلها غيرها في ما مضى ـ على هذا الإقليم من أقاليم العالم.
نقول إن هذه القوى ستبقى. ونضيف أنها يجب أن تبقى لأن اضمحلالها أو عزلها لا يعزز استقلال لبنان بل هو قد يطيحه. وقد تتخذ الإطاحة، اليوم أو غدا، صورة التفاقم في صور التدخل الدولي ومفاعيله واشتداد الاستقطاب الداخلي المترتب عليه وتحول الظاهرتين إلى حلقة جهنمية وإلى بيئة لفواجع جديدة. لذا كنا محتاجين إلى بناء الضوابط الداخلية لهذين التدخل والاستقطاب لا إلى هدمها. ثم إن لبنان لا بد له من ضمانة من أهله وساسته ليسلم من مغاضبة شعوب محيطة به هي اليوم في أقصى الغضب من التنمر الأميركي ومن التجبر الإسرائيلي، وأقربها إلينا الشعبان السوري والفلسطيني. ولكن هذا التضامن المبني على الصالح المشترك واللازم لحفظ الاستقلال شيء والتضامن الإباحيّ المفتوح على إبطال مفهوم الدولة وعلى فلسفة "الورقة" شيء آخر.
نحتاج إلى لقاء وطني لأن بناء سياسة لدولة مستقلة تولدُ لنا محتاج إلى قاعدة عريضة من قوى هذه الدولة. وهو محتاج إلى فهم للاستقلال لا يعزل البلاد عن محيطها بل يردّ الصحة إلى ما يربطها به ويدرجها فيه. وهو محتاج في ما وراء ذلك إلى كسب الحرية في إدارة علاقات دولية وإقليمية متنوعة، ذات مراتب وفيها أفضليات، ولكنها قائمة على الحساب الحر وعلى إكراه المصلحة لا على إكراه القوة. فإن هذا هو الاستقلال. ونحن نريد الاستقلال لا الانتقال من تبعية إلى تبعية.

طوائف متخصصة

إن أخطر ما يلوح في أفق هذه المرحلة إنما هو ما ذكرنا من "ترجمة فورية" تحيل موازين المعركة السياسية الجارية إلى موازين قوى طائفية. فهل سنظل نرتضي أن نرى كل مواجهة بين أقطاب السلطة أو على قانون من قبيل قانون الانتخاب أو على مطلب سياسي (ولو كان مطلب الاستقلال نفسه) أو على صيغة للإصلاح تـُجاري تطور الموازين السكانية أو الاجتماعية ـ الاقتصادية أو تطور الذهنيات في البلاد أو على صيغة للتحرير أو لردّ العدوان عن البلاد تؤوّل فورا ـ فيما وراء صور بسيطة أو معقدة من الإنكار والمداورة ـ على أنها مواجهة طائفية ترفع من شأن طائفة أو أكثر من طوائف البلاد وتحطّ من شأن طائفة أو أكثر؟ هل سنظل نوزّع بين كفتي ميزان السلطة هذا (أو بين كفّاته الكثيرة) مكوّنات المجتمع اللبناني التاريخية، وهي التي يفترض أن يحمي القانون حقوق أفرادها بما هم مواطنون وحقوقها بما هي جماعات مذهبية وشبكات اجتماعية؟ هل تطيق بلادنا أن تبقى مناسبات تداول السلطة والصيغ المعتمدة لتكوين مؤسسات الدولة ولسياساتها الداخلية أو الخارجية مطايا لارتفاع هذه الطائفة ولانحطاط تلك وأسبابا لغبطة هذه ولهلع تلك؟
... فيبدو الأمر وكأن في البلاد طائفة أو طوائف متخصصة في الاستقلال وأخرى متخصصة في مكافحة الحرمان أو مقاومة العدوان والاحتلال وثالثة ضليعة، دون غيرها، في الانتخابات الحرة والنزيهة! أي كأن اقتسام الدولة الذي استشرى مع نهاية الحرب ينحو نحو الاكتمال بتوزّع مقوّماتها الأصيلة واختصاصاتها الجامعة.

اتفاق الطائف

ذاك أمر نراه مدعاة لاستذكار اتفاق الطائف الذي اعتمدته الجهتان المتواجهتان اليوم سقفا وخيمة. وهما أعلنتا أحيانا رضوخهما لبنوده كافة. وكان تطبيق هذا الاتفاق قد بقي مفتوحا على التنازع السياسي ـ الطائفي (ناهيك بحضور راعٍ خارجي أو غياب آخر)، شأنه شأن عمل مؤسسات الدولة وشأن القوانين وشأن الدستور نفسه، أي شأن كل ما يفترض أنه حدٌّ للتنازع السياسي أو الطائفي لا مسرح له. وهذه حال يسّرت على الدوام تقاسم كل ما هو عام في البلاد بين القوى السياسية الطائفية وشدّه قطعا تذهب كل منها إلى جهة أو "صاحب"( بالمعنى الذي كان يقال فيه، في قرون غابرة، "صاحب الشرطة" أو "صاحب الخراج"). وكان مؤدى هذا ضرب وحدة مجال الدولة وعموميته.
هذه حال يسرت، على الدوام أيضا، نشوء شبكات( خفيـّة بمقدار ما هي مشهورة) تقبع تحت مؤسسات الدولة، متحللة من المنطق القانوني لعمل المؤسسات( على رغم النسبية البارزة لنفاذ هذا المنطق أصلا). فكانت هذه الشبكات سبيلا إلى إطلاق العنان لمنطق النفوذ والقوة المعتد بالزعامة الطائفية هنا وبحماية الشريك الخارجي هناك وبحصانة المنصب الرسمي هنالك أو بجميعها معا. وكانت مصالح هذه الشبكات موضوعا لتواطئها على هتك المؤسسات أحيانا ولمبارزات علنية بينها تعرقل أعمال الدولة وتبطئ إجراءات تمليها الضرورة أو تنحرف بها عن سكة المصلحة العامة أو تمنعها أحيانا أخرى.
من بين هذه الشبكات تلك التي هتك تقرير "بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق" ما كان بقي من ستر لعجزها عن أداء وظيفتها الأصلية. وهي وظيفة محصورة بأمن الدولة والمواطنين بدت، في التقرير وفي الوقائع، وما تزال تبدو، في أعمال التفجير المتلاحقة، فارغة ممن يملأها. بل إن التقرير قرن إلى إثبات العجز إشارات مهولة الوقع إلى أفعال مرجحة لشبهة التواطؤ، فضلا عن فقدان النية والإرادة للقيام بعبء المسؤولية في مواجهة الجريمة. فكان من هذا التقرير أنه نقل مطالبة المعارضة بـ "إقالة رؤساء الأجهزة الأمنية" من حال المطلب المعنوي إلى حال الضرورة العملية لإجراء هيكلي مركّب يتناول وضع الأجهزة برمـّتها، تنظيما وأداء وطبيعة التزام.
... في كل حال، كان اتفاق الطائف قد لبث نصا دأبت الأطراف اللبنانية على إحداث خروق فاغرة في نسيجه. فوجد من كان قد نسي أعواما ـ على رغم كثرة المذكّرين ـ أن الاتفاق قال بالانسحاب السوري ونظـّمه. ووجد من نسي نسيانا شاءه مؤبدا أن الاتفاق نفسه نص على آلية للخروج من الطائفية السياسية. ووجد من تذكر هذا النص أحيانا ولكن ليتخذه سكينا يهدد به الخصوم المذكّرين بلزوم انسحاب القوات السورية وقيام الدولة السيدة. وكانت صفة السكين متحققة فعلا، موافقة لغرض التهديد، لأن تجاوزا للطائفية يلعب بموازينه الراعي السوري كان سيؤول إلى كارثة للبنان. يبقى مع ذلك أن الشعور اللبناني بضرورة هذا التجاوز بقي قائما من دستور 1926 إلى ميثاق 1943 إلى اتفاق الطائف. وها إن "الترجمة الفورية" التي ذكرنا (وقبلها عورات أخرى كثيرة لهذا النظام يكاد لا يتسع لها مقام) تردّنا إلى ضرورة ذلك التجاوز...
فهل سيتذكر هذه الضرورة أحد ممن يتخذون اتفاق الطائف غطاء وسقفا في هذه الأيام على ضفتي الموالاة والمعارضة ويؤكدون، من حين إلى حين، حرصهم على بنوده "كافة"، ولكن لا يستذكرون، بالتحديد، إلا ما يهمهم منها؟ ليؤذن لنا بالشك في أن يتعظ بأزمات هذا النظام وبما ترتبه على البلاد من كُلـَف وتزجها فيه من مهالك، من هم ثمرات هذا النظام ونسل أزماته، على التخصيص. ولكن ليؤذن لنا أيضا بالقول إنه ما لم تتوقف "الترجمة الفورية"، بانصراف اللبنانيين عن عتادها وتقاناتها والمختصين بها إلى منطق آخر لنظامهم، فإن صون المكسب من كل معركة يخوضونها سيكون متعذرا وإن مصير بنيانهم الوطني سيبقى رهينة لانفجار أو لانهيار قد يأتي أدهى من الانفجار أو يكون بين أسبابه.
اليوم يواجه لبنان، وهو في مهب أزمة عارمة، أكثر من ضرورة واحدة قريبة. يواجه ضرورة سن قانون للانتخابات النيابية يصون حرياتها (وهي أكثر من حرية واحدة) ويكفل نزاهتها، بالتالي، وهذا في ظل حكومة انتقالية قادرة تجتمع لها شروط الصيانة والكفالة. ويواجه ضرورة الخروج من الانتخابات بحكومة وحدة وطنية تجتمع لها قاعدة كافية الاتساع لوضع هدف الإصلاح في النظام والدولة في صورة برنامج يتناول كل صعيد: السياسة والأمن والاجتماع والاقتصاد والمال والنقد. هذه القاعدة الواسعة ضرورية أيضا لمواجهة ضغوط الخارج، من أين أتت، على سياسة البلاد الإقليمية ولتجنيب هذه السياسة كل مغامرة تكسر الوحدة الداخلية.
تلك كلها مطالب توافق روح اتفاق الطائف ونصه. ففي الاتفاق نص على اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، وهذا بعد تعديل التقسيم الإداري للبلاد في اتجاه الزيادة في عدد المحافظات. وهو نص لا يمنع اعتماد مبدأ النسبية الذي تزكيه الضرورة الماثلة لتوسيع قاعدة التمثيل النيابي والحؤول دون عزل أية من القوى السياسية ذات الأثر في مرحلة إقرار الإصلاحات المفروضة. وهذا يمنح قواما فعليا لحكومة الوحدة الوطنية التي ناط بها الاتفاق قيادة البلاد نحو الإصلاح.
وفي الاتفاق أيضا رسم لمعالم الموقع الإقليمي اللبناني تقع في صدارته العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا ورفض توطين اللاجئين الفلسطينيين نهائيا في لبنان. وهذان إلزامان يستجيب أولهما لروابط ومصالح أصيلة ليس لأية من الدولتين أن تحيد عن مسالكها، ويبعد لبنان، بخاصة، عن إغراء الخضوع لضغوط أميركية إسرائيلية ظهرت بوادرها، وهي تؤول إلى زج لبنان في موقع من الصراع الإقليمي مناوئ للموقع السوري. هذا ويجب ألا تعني محاذرة هذا الفخ رهنا مجددا لسيادة البلاد ولا، على التخصيص، خوض حروب بالسخرة، نيابة عن النظام السوري: حروب تفضي، لا إلى تحقيق المصلحة المشتركة، بل إلى خراب لبنان لا غير. هذا الإلزام المتصل بالعلاقات اللبنانية السورية يحمي أيضا وحدة اللبنانيين. وأما إلزام رفض التوطين فهو يحمي هذه الوحدة أيضا ويرد عن البلاد أشباحا للتقسيم محتملة التجدد، وهي نفسها أشباح الحرب الأهلية. وهو ـ أي الإلزام ـ يجب ألا يكون حائلا دون مساواة الفلسطينيين، لجهة الحقوق المدنية والاجتماعية، بكل من هو مقيم شرعا على أرض لبنان من غير اللبنانيين. وفي المساواة هذه ما يمهد لتنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية (حالَ الراعي السوري زمنا طويلا دون حصوله) وما يسهل، بالتالي، جمع السلاح من المخيمات... فهذا السلاح قد أمسى، من زمن طويل أيضا، عدّة اقتتال وإرهاب أهليـّين لا أكثر ولا أقل

المقاومة

هذه المسائل كلها يرعى معالجتها اتفاق الطائف. وهو يرعى أيضا معالجة موضوع المقاومة اللبنانية المسلحة للاحتلال الإسرائيلي. هو يرعاها من جهتين:
أ جهة الجلاء الإسرائيلي عن الأراضي اللبنانية وفقا لقرار مجلس الأمن الدولي 425. وكان هذا الجلاء في الأفق السياسي للرعاية الدولية التي حظي بها الاتفاق عند إقراره. ولكن الجلاء لم يتحقق إلا بعد عشر سنوات وأشهر من هذا الإقرار اتصلت في أثنائها المقاومة اللبنانية للاحتلال وشهدت لحظات إقدام وظفر باهرين. وهي حظيت أيضا بتضامن واسع من سائر اللبنانيين، على رغم انحصارها طوال التسعينات في جناح واحد من طائفة واحدة. وحظيت، أخيرا ـ والبلاد معها ـ بحماية دولية فاعلة وصلت إلى أوجها مع إقرار تفاهم نيسان 1996.
هذا وليس خطأ القول إن الانحصار المشار إليه زاد من سعة التضامن، من جهة، وأدخل فيه التفاوت وحدّ من درجته، من جهة أخرى. فقد كنا أمام حالة غير معتادة بأي مقياس، هي نيابة جهاز ووسط حزبيين موسومين بانتماء طائفي وحيد، في أعمال المقاومة، عن الشعب كله (وعن سائر الطائفة المقاومة أوّلا). وهذا مع ما في الشعب من كثرة جماعات طائفية وتنظيمات سياسية انحصر دورها (وانحصرت كلفة المقاومة على كل منها) في مهمة التأييد. وهو ما لا يبطله كون البلاد، شعبا ودولة، قد تحملت الكلفة العامة لحرب المقاومة، على كل صعيد. ولم يتحقق هذا الحصر من تلقاء نفسه ولا كان بمنأى عن ضغوط المواجهة الإقليمية في صورتها حينذاك، وأخصها ضغط الحلف السوري الإيراني. فجاء الحصر ثمرة لمواجهات حزبية دامية تعددت ميادينها والأطراف وكانت من عداد فصول العنف الأهلي الأخيرة التي شهدتها نهايات الحرب.
ب ـ ثانية الجهتين في معالجة اتفاق الطائف موضوع المقاومة المسلحة هي نص الاتفاق على حل المليشيات. وهو نص علـّق تطبيقه على المقاومة بحكم تأخر المجتمع الدولي عن إلزام إسرائيل بتطبيق القرار 425. وكان هذا التعليق مساويا للنص المذكور بنصوص أخرى من الاتفاق أرجئ إنفاذها أو صرفت عن غايتها لأسباب مختلفة، ولكنها لم تبطل. بل هي بقيت كلها واجبة الإنفاذ بحكم العقد الذي ارتضاه اللبنانيون ورَعته الشرعيتان العربية والدولية مخرجا من الحرب.
اليوم مضى على حصول التحرير نحواً من خمس سنوات. وكان أول تحرير لأرض عربية احتلتها إسرائيل لم تصحبه إملاءات إسرائيلية من أي نوع. وكان الفضل فيه لأعمال المقاومة التي تولاها، على الجملة، مقاتلو حزب الله ولم يبخلوا فيها بتضحية. وكان لهم الجميل بذلك على أهل الجنوب المحتل (وهم أهل كثرة منهم) وعلى سائر اللبنانيين. وكان الفضل ثانيا للحنكة المؤكدة وللحكمة الإجمالية اللتين وسمتا مسلك قيادة حزب الله في هذا الصراع المعقد. وكان الفضل ثالثا لارتضاء اللبنانيين، شعبا ودولة، كلفة التحرير على الصورة التي ذكرنا لهذا الارتضاء. وكان الفضل رابعا للدعم الذي لقيه حزب الله من سوريا وإيران. وهو دعم حملهما عليه موقعهما من الصراع الدائر في الشرق الأوسط وحاجتهما الأيدلوجية ـ السياسية، في داخل حدودهما وفي خارجها، إلى حرب لم تخوضاها مباشرة بل أدرجتاها في مواجهتهما مع إسرائيل ووظفتاها في الصراع العام على المنطقة كلها مع بقاء كلفتها ومؤونتها عليهما في حدود مرسومة. وكان الفضل خامسا لما حاط المقاومة ولبنان من حماية سياسية دولية ظللتها شرعية الأمم المتحدة ولجمت تكرارا عدوانية القوة الإسرائيلية وحدت من مفاعيل تفوقها العسكري. وكان الفضل أخيرا لما استنهضته المقاومة من مبادرات الدعم عبر العالم. وهي مبادرات متنوعة عمد إليها أفراد وجماعات، لبنانيون وغير لبنانيين، مسلمون وغير مسلمين.

المقاومة بعد التحرير

اليوم تبدو أركان هذا الوضع الذي استظلته المقاومة وقد تهاوى بعضها فعلا وأدرك البعض الآخر ضعف متفاقم. وأول أركان الوضع المذكور، بل أساسه، إنما هو الاحتلال نفسه.
لم ينس اللبنانيون بعدُ أن السلطتين اللبنانية والسورية استقبلتا التحرير، حين لاحت بشائره، بحرَج مريب، وكأنهما عدّتاه حدثا مشؤوما. ولم ينس اللبنانيون بعدُ ما تكشف من بَعد، وهو أن السلطتين المذكورتين لم تغادرا هذا الحرج إلا حين وجدتا مخرجا لاستدامة الوظيفة الإقليمية للمقاومة ـ أي وظيفة "الورقة" ـ هو مسألة مزارع شبعا. ويعلم من يعلم من اللبنانيين أن الدولة السورية كانت قد بسطت "سيادتها" الأخوية على هذه المزارع (اللبنانية من غير أدنى شك) قبل حرب حزيران 1967 بنحو من عشر سنوات. ويعلمون أن مجلس الأمن الدولي أدرج وضعها تحت القرار 242 حين احتلتها إسرائيل في أعقاب تلك الحرب، معتدّا بـ"السيادة" السورية المشار إليها.
ويعلم من يعلم من اللبنانيين أن السلطتين السورية واللبنانية بذلتا وسعهما، بعد تحرير الجنوب المحتل وقبله أيضا، حتى يتعذر تحرير مزارع شبعا مع إنفاذ القرار 425. فكان أن أحجمتا إحجاما مريبا عن ترسيم الحدود في تلك المنطقة وإيداع الأمم المتحدة ما تحتاج إليه من وثيقة وخريطة مصدقتين لتدرج "المزارع" في الجهة اللبنانية من الخط الأزرق: خط القرار425 وخط التحرير والخط الذي يجب أن يطابق الحدود اللبنانية. ويذكر اللبنانيون أن الأمم المتحدة كانت جادة في فرض الرسم القانوني لهذا الخط إلى حد مكّن لبنان من استرداد أراض كانت إسرائيل قد قضمتها سنة 1948.
يذكر اللبنانيون أيضا أن مسألة المزارع كانت مستغرقة المشهد كله حين أعلن حزب الله استمرار المقاومة. ويذكرون أن الحزب لم يعمد إلى تصدير أهداف من قبيل الحماية وردّ العدوان وتحرير الأسرى إلا حين أخذ يبدو، بين حين وآخر، أن إسرائيل قد تعمد، من جهتها، إلى الانسحاب من مزارع شبعا طلبا لتسكين جبهتها اللبنانية وتلطيفا لضيق رأي عام دولي أغضبته (أو أحرجته) أفعال أخرى تقوم بها إسرائيل في ديار أخرى.
أما حماية الأرض وردّ العدوان وتحرير الأسرى فيعلم حزب الله (و يفترض أن يعلم سائر اللبنانيين) أنها من بين اختصاصات الدولة السيدة. وهذه اختصاصات لا يجوز للدولة أن تحيلها إلى تنظيم مسلح تدعه مرابطا على حدودها ولا تعدّ نفسها ولا يعدّها القانون الدولي، ومن ورائه الرأي العام في الداخل والخارج، مسؤولة عن أفعاله. وإنما هي ملزمة والبلاد معها، وهي في حال عراء قانوني تام، بتحمل تبعات هذه الأفعال وعواقبها، لا من جهة إسرائيل وحسب (مع أن هذه يجب أن يحسب حسابها) بل من جهة الأمم المتحدة ومجتمع الدول أيضا. ثمة حالة حرب بين لبنان وإسرائيل وثمة اتفاق لبناني إسرائيلي صدّق سنة 1949. وحين لا يبقى من احتلال لا يبقى غير هذا الاتفاق متوجب الإنفاذ من الجهتين وتصبح الدولتان مسؤولتين مسؤولية تامة عن كل حامل بندقية يطلق طلقة عبر الحدود، عسكريا كان أم مستوطنا في الجهة الإسرائيلية أم "مقاوما" في الجهة اللبنانية.
فأي عمل يسع المقاومة أن تقوم به إذ ذاك ولا يعرّض الدولة ويحد من غائلة الرد على البلاد؟ إن كان هذا العمل حماية للحدود ودفاعا عنها فهو مهمة الجيش (ليس له غيرها إلا استثناء ولا يسوّغ وجوده غيرها أصلا). وإذا جاز للدولة أن تسلح قوة شبه عسكرية من الأهالي تؤازر الجيش عند الضرورة (وتسمى "الحرس الوطني"، على سبيل المثال) فالدولة مسؤولة عنها وعن أفعالها مسؤوليتها عن الجيش نفسه وعن أفعاله. مثل هذا جائز، حين تثبت الحاجة إليه. ولكن سيكون متعذرا إقناع اللبنانيين (ناهيك بغيرهم) أنه يجوز للدولة إيكال هذه المهمة إلى تنظيم حزبي، وحيد الطائفة فوق حزبيته، يسلـّحه غير الدولة ويفترش، في مباشرته مهمته، شبكة من العلاقات الخارجية والداخلية، السياسية وغيرها، لا تلمّ الدولة بأوائلها ولا بأواخرها. سيكون متعذرا، في هذه الحالة، إقناع اللبنانيين (وغيرهم ابتداء من إسرائيل نفسها وانتهاء بالأمم المتحدة) بأن دولة هذه سيرتها هي... دولة.

مشروع الدولة

اليوم يضع حزب الله "مشروع الدولة" في موضع الصدارة من تناوله حاضر البلاد المحتدم ومستقبلها المرتجى. وهذا كلام جدير بكل تقدير إذ هو يشير إلى شوط طويل طواه هذا الحزب في عشرين سنة مضت على بروزه إلى العلن: شوط أوصله من "جهادية" خمينية القدوة، عابرة للحدود الوطنية في الثمانينات، رافضة، في أواخرها، لاتفاق الطائف، إلى مشاركة في المؤسسة البرلمانية، ابتداء من مطلع التسعينات... وهي مشاركة شهدنا فيها النزعة إلى حماية عمل المقاومة (بتأطير الوسط الذي نمت فيه وتحقيق الغلبة فيه وبتحييد نوازع التجاذب في المحيط الوطني) وقد غلبت النزعة المقابلة إلى الضلوع الشامل في سياسة الشؤون العامة. إلى أن وصل الحزب اليوم من الشوط نفسه إلى شعار "مشروع للدولة" يراه متوجب الحماية...
والحال أننا اليوم في ظرف يوجب مصارحة الحزب بأن مشروع المقاومة المستمرة بات مفتقرا إلى كل ما حاطه بالحماية حتى اليوم: أي إلى مواءمته مشروع الدولة في نظر اللبنانيين أوّلا وإلى الشرعية الدولية التي انطلقت في لجمها القوة الإسرائيلية من واقع الاحتلال ومن قرارها القاضي بجلاء المحتل. هذا فضلا عن أن المسلكين السوري والإيراني في الصراع على الشرق الأوسط عادا لا يمثلان نموذج المجاهد الذي لا تلين له قناة ويصح أن يأتمر به مجاهدو الأقطار المحيطة في هبـّة واحدة شاملة. هما لا يبدوان ممثلين لهذا النموذج إذا اعتبرنا بالاختبارين الأفغاني والعراقي وباختبار إيران في موضوع الطاقة النووية وباختبار سوريا في الموضوع اللبناني أخيرا. واللبنانيون ذوو حق في أن ينظروا في تلك الاختبارات ويتبينوا فيها بعضا من منطق الدولة ناهيك بمنطق "مشروعها".
ولا يقولن لنا الحزب إن هاتين دولتان ونحن "حركة شعبية". هذا يصح ما دمنا في حدود موقف سياسي يتوجه به إلى الدولة. وأما حمل السلاح فلا نراه شائعا في سوريا ولا في إيران بالنيابة عن الدولة وخارج مسؤوليتها أمام الداخل وأمام الخارج. فهذا لا يستقيم إلا في دولة محتلة أو في دولة مستضعفة، وقد كانت الدولة اللبنانية، إلى عام 2000، جامعة الصفتين معا فلم يبق منهما اليوم إلا الثانية. بل إن فلسطين، وهي لا تزال رازحة كلها تحت أعتى احتلال في عالم اليوم كله، راحت المقاومة المسلحة فيها تتجه، بفصائلها الرئيسة، نحو تسليم أمر التحرير إلى السلطة المنتخبة مقرّة لها بالحق في سياسة هذا الأمر سياسة لا يعترضها العنف المقاوم أو المعارض فتكبو عند كل محطة. فكيف سيسع حزب الله أن يجمع ما بين التعويل على استضعاف الدولة اللبنانية والحرص على مشروع الدولة من غير إدخال للبلاد في ظلمات انفجار أو انهيار لا ينجو من أيهما هو ولا الدولة ولا البلاد؟

1559

اليوم بتنا مظللين بالقرار 1559، وهو قرار شقّ صفّنا بعد أن نعمنا زمنا طويلا بظل القرار 425 وكان مشتدا به أزرُنا. وكان عجزنا عن مباشرة أمورنا بأنفسنا، ونحن تحت ربقة النظام السوري، هو ما جرّ علينا وبال الاقتحام الدولي لساحتنا. فإن التمديد لرئيس الجمهورية الحالي، ولا شيء غيره، وكان عرْضا سخيفا للقوة السورية في "ساحتنا" ولقدرتها على إذلال ساستنا حالا والمقايضة بنا مآلا، هو ما نقل أوروبا من موقف إلى موقف حيال مسألتنا وجعل منا بابا لتجديد ظهورها موحدة في الشرق الأوسط، بعد انقسامها حول المسألة العراقية. فنـُقلنا، بالتالي، من "قانون محاسبة سوريا" (وكانت مداراته محتملة الكلفة) إلى القرار 1559، وهو باب مفتوح لسلبنا مقاليد أمورنا مرة أخرى ولجعل بلادنا ـ إذا أسلسنا القياد ـ قدوة (أو عبرة لمن اعتبر، بالأحرى) في نظام شرقٍ أوسط تحكمه أميركا وتتصدره إسرائيل. ونحن لا يلائم دور القدوة هذا سلامة علاقاتنا في ما بيننا ولا مصالح بلادنا في محيطها القريب.
تقع على عاتق حزب الله مسؤولية كبيرة هي مسؤولية تدبر العواقب المترتبة على هذا القرار، وهي عواقب لا تًتدبر بدعوة مجتمع الدول إلى المبارزة على الأرض اللبنانية. فإن الإصرار السوري على التمديد لأميل لحود والإعراض عن انتخاب مرشح من بين حفنة من المرشحين ما كانوا إلاّ ليبزوه في مجاراة الهيمنة السورية إنما هما إصرار وإعراض قابلان للتفسير وما هما بأحجية. فقد كان في يد هذا الرئيس إنجازان لم يؤثر له سواهما مما يجعل له ميزة سورية على غيره. وأولاهما مناوأته العنيدة لرفيق الحريري من موقعه على رأس الهرم الاستخباري ـ العسكري وثانيتهما توفيره الحماية السياسية، من موقعه على قمة الدولة، لاستمرار خيار المقاومة المسلحة في الجنوب، وهذا وفقا للرغبة السورية وتبعا لحاجته إلى قاعدة سياسية امتنعت عليه في طائفته وحجبها عنه الحريري، قبل غيره، في الطائفة الثالثة الكبرى. لذا كانت تقع على حزب الله مسؤولية كبيرة في تدارك الغلط الفادح الذي زُجّت البلاد فيه واستوى الحزب طرفا كبيرا بين أطرافه. وفي يد حزب الله وحده، وقد اعتد طويلا بـ"إجماع" اللبنانيين حول مقاومته، ألاّ يستوي موضوعا متصدرا للشقاق بين اللبنانيين، وهو ـ مرّة أخرى ـ ما يعرف الحزب من عهد طويل عاقبته عليه وعلى سائر اللبنانيين.

الانطلاقة والعالم

نحن محتاجون إلى ردّ هذه المواجهة الرهيبة عن شعبنا: المواجهة بين شطرين من شعبنا والمواجهة بين بلادنا ومجتمع الدول، وهما ستكونان، إن أعوزتنا الحكمة، مواجهة واحدة. ونحن نعتقد أن في يدنا فرصة للنجاح بشرط الحكمة. هذه الفرصة هي نفسها الفرصة الوحيدة لمشروع الدولة وهي فرصة استوائنا دولة مستقلة. وهي فرصة أدى رفيق الحريري حياته ثمنا لها. فكان أن أخرجت الجريمة اللبنانيين من بيوتهم وأعمالهم ومدارسهم مانحين بلادهم فرصة هي هذه لا يجوز أن يضيعها السياسيون. وكان أن أدركت صورة انطلاق اللبنانيين من قمقم الصمت والمهانة أطراف عالم أخذ ينظر ويصغي، لا بحكوماته ومرجعياته الدولية وحدها، بل ببشره عامة. هذه الانطلاقة اللبنانية وهذان النظر والإصغاء من العالم يمثلان مادة يتعين على اللبنانيين ـ على قواهم السياسية أوّلا ـ أن يصوغا منها سياسة لشأنهم الوطني تدور فصولها في ما بينهم، على مرأى من العالم ومسمع، وأن يدرأوا بهذه السياسة عبث الدول بمصيرهم. القرار 1559 ليس غير اتفاق الطائف في النص. ولكنه غيره في المرجعية والسياق والعواقب. ولا يسع اللبنانيين أن يجبهوا أحكام هذا القرار بالرفض الفاعل ولا بمجرد الخطابة. فأول مفاعيل هذا الجبه أنه يضعهم بعضا في وجه بعض ويقوض دولتهم شبه المفلسة اليوم. ولكن يسعهم أن يتبصروا في السياق وأن يبعدوا المرجعية ليتقوا العواقب. على أن الشرط لهذا ـ بعد استرداد الوحدة حول مصلحتهم الوطنية العليا ـ أن يبادروا إلى تنفيذ الأحكام متفاهمين. فتلك هي المرحلة الأولى يقطعونها على طريق العودة إلى التطبيق الطوعي لما أبرموه في الطائف سنة 1989 ونحو الاستقلال الذي كثر افتقادهم له بعد 1943 ونحو نهاية حقّة ومستحـَقّة للحرب الأهلية.

أواخر آذار 2005

الموقعون على الوثيقة:

أحمد بيضون، أدونيس، بول سالم، جهاد الزين، جورج دورليان، حسن داوود، حسام عيتاني، خالد زيادة، رغيد الصلح، سليم نصر، شفيق شعيب، عصام خليفة، عباس بيضون، عزّة شرارة، فادية كيوان، فهمية شرف الدين، مارلين نصر، مسعود يونس، منى فياض، نبيل أبو شقرا، يوسف معوّض